انفلات الأسعار في كردستان: من أزمة صغيرة إلى كارثة اجتماعية كبرى
تشهد الأسواق في إقليم كردستان ارتفاعاً جنونياً وغير مسبوق في أسعار المواد الغذائية والمحروقات، حيث لم يعد هذا الانفلات مجرد أزمة معيشية عابرة، بل تحول إلى تهديد مباشر وخطير للاستقرار الاجتماعي بأكمله، مما يتطلب قرارات عاجلة ودعماً حقيقياً وفعالاً للمواطن الذي يعاني من وطأة هذه الأزمة المتصاعدة.
تحول الأزمة إلى واقع ضاغط يهدد الحياة اليومية
لم يعد ما يجري في إقليم كردستان مجرد ارتفاع طبيعي في الأسعار أو تأثير عابر لأزمات خارجية، بل تحول إلى واقع ضاغط ومرهق يهدد حياة المواطن بشكل مباشر ومستمر، حيث أصبح الغلاء يطرق أبواب كل بيت دون استثناء، ويثقل كاهل العائلات التي لم تعد قادرة على مجاراة هذا الانفلات الاقتصادي المتسارع، مما يخلق حالة من اليأس والإحباط بين السكان.
إنَّ الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية والمحروقات لم يعد مجرد انعكاس لأزمات خارجية أو ظروف عالمية، بل أصبح مؤشراً واضحاً وصارخاً على خلل داخلي عميق في إدارة السوق وغياب الرقابة الفعلية والفعّالة، حيث تُترك الأسعار لتتقلب وفق أهواء البعض ومصالحهم الضيقة، بينما يقف المواطن عاجزاً ومحبطاً أمام واقع يزداد قسوة وصعوبة يومًا بعد يوم، مما يزيد من حدة المعاناة.
ضرورة مواجهة الحقيقة واتخاذ قرارات حاسمة
مع تصاعد هذه الأزمة الخطيرة، لم يعد مقبولاً أو مجدياً الاستمرار في لغة التبرير أو إلقاء اللوم على الظروف الخارجية فقط، لأن معاناة المواطن بلغت حدّاً لا يحتمل وأصبحت تهدد كرامته واستقراره، ولم يعد أمام الجهات المعنية سوى مواجهة الحقيقة بصراحة واتخاذ قرارات حاسمة وجريئة تعيد التوازن بين الدولة والمجتمع، وتضمن حماية الحقوق الأساسية.
إنَّ الحديث عن غياب الحلول أو عدم وجود بدائل لم يعد مقنعاً أو مقبولاً، فالحلول موجودة ومتاحة لكنها تحتاج إلى إرادة حقيقية وقوية تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار وأولوية، وأول هذه الخطوات يجب أن يكون وضع سقف أعلى صارم وواضح لفاتورة الكهرباء لا يتجاوز مئة دولار لكل عائلة، لأن ما يحدث اليوم لم يعد تنظيمًا للاستهلاك أو ترشيداً، بل تحول إلى استنزاف ممنهج يهدد استقرار الأسر وقدرتها على الصمود.
دعم المواطن كضرورة عاجلة وحتمية
على الجهات المسؤولة أن تعتمد نظام إنذار مسبق يرافق استهلاك المواطن ليكون أمام خيار واضح ومعلوم بدل أن يُفاجأ بفواتير صادمة ومفاجئة تحطم قدرته على الصمود والتخطيط، كما أن دعم المواطن لم يعد خياراً أو رفاهية بل ضرورة عاجلة وحتمية، لأن الكرامة الإنسانية تبدأ من تأمين أساسيات الحياة وضمان الحد الأدنى من العيش الكريم.
ولهذا فإن توفير مئتي لتر من البنزين شهرياً لكل عائلة بأسعار مدعومة ومعقولة، وأربع قناني غاز، ومئة لتر من النفط الأبيض كل شهرين، يجب أن يتحول إلى سياسة ثابتة ومستدامة تلتزم بها الحكومة بشكل واضح وشفاف، لأن هذا الدعم هو الحد الأدنى الذي يحمي المجتمع من الانهيار ويضمن استمرارية الحياة اليومية.
فرض رقابة صارمة ومحاسبة المتلاعبين
ولكي تكتمل هذه المعالجة الشاملة والفعالة، لا بد من فرض رقابة صارمة ودقيقة على الأسواق ومحاسبة كل من يتلاعب بأسعار المواد الغذائية أو المشتقات النفطية أو يستغل حاجة المواطنين، لأن ترك السوق دون ضبط أو مراقبة يعني فتح الباب أمام الفوضى الاقتصادية وتحويل معاناة الناس إلى فرصة للاستغلال والجشع، مما يزيد الأزمة تعقيداً.
رسالتي هذه إلى أعلى سلطة في إقليم كردستان، التاريخ لا يرحم ولا يتسامح، والسلطات التي تتجاهل شعوبها أو تهمش معاناتها تسقط قبل أن تدرك ذلك أو تستعد له، والشعوب التي تُرهق اقتصاديًا وتُحرم من أساسيات العيش تُدفع دفعًا نحو الغضب واليأس والهجرة، لذلك فإن هذه اللحظة ليست لحظة تبرير ولا وقتًا للتأجيل أو التسويف، بل هي لحظة قرار حاسم وجريء.
إما أن تقف حكومة إقليم كردستان إلى جانب شعبها بصدق وإخلاص وتعيد له شيئًا من العدالة والكرامة والاستقرار، أو تتركه يواجه مصيره وحده في معركة غير متكافئة ضد الغلاء والفقر، وحينها لن يكون السؤال ماذا حدث أو كيف تطورت الأمور، بل لماذا تُرك كل هذا ليحدث ومن يتحمل مسؤولية هذا الانهيار والتردي، وهذا ما يجب تجنبه بكل السبل.



