كتاب سفين بيكيرت: الرأسمالية نظام عالمي النشأة وليس قدراً تاريخياً
كتاب بيكيرت: الرأسمالية نظام عالمي النشأة وليس قدراً

الرأسمالية: نظام عالمي النشأة وليس اختراعاً أوروبياً

لا تزال الرأسمالية تشكل المحرك الأقوى للاقتصاد العالمي، لكن كتاباً تاريخياً مهماً صدر عام 2025 يعيد كتابة قصة نشأتها بشكل جذري. يقدم المؤلف الاقتصادي المتخصص سفين بيكيرت في كتابه "الرأسمالية: تاريخ عولمي" رؤية شاملة تثبت أن هذا النظام الاقتصادي وُلد عالمياً منذ البداية، وليس اختراعاً أوروبياً بحتاً كما روّجت العديد من الروايات التاريخية السابقة.

عمل ضخم يغطي ألف سنة من التاريخ

يُعد كتاب بيكيرت، الذي يزيد حجمه عن 1300 صفحة في طبعته الإنجليزية، من أبرز الأعمال التاريخية في السنوات الأخيرة حول تطور الرأسمالية كنظام عالمي. يغطي الكتاب فترة زمنية طويلة تمتد من العصور الوسطى المتأخرة حتى العصر الحديث، مقدماً تاريخاً عالمياً شاملاً بعيداً عن التركيز الأوروبي أو الأميركي التقليدي.

يرى بيكيرت أن الرأسمالية وُلدت "عالمية" منذ بداياتها الأولى، مبنية على روابط معقدة بين مناطق مختلفة جداً من العالم. ويُظهر كيف ساهمت أنظمة متنوعة في بناء هذا النظام الموحد، بما في ذلك:

  • العبودية في الأميركتين
  • صناعة القطن في الهند وبريطانيا
  • التجارة في آسيا وأفريقيا
  • العنف الاستعماري في مختلف المناطق

نهج جديد يكسر المركزية الأوروبية

يتميز نهج بيكيرت التاريخي بربطه بين أشكال العمل المختلفة التي تبدو متناقضة ظاهرياً، ويُظهر كيف أسهمت جميعها في نشوء وتوسع النظام الرأسمالي. فهو يربط بين العبودية والعمل الإجباري والعمل الحر، ويكشف كيف شكلت هذه الأنظمة معاً البنية الأساسية للرأسمالية العالمية.

يناقش الكتاب أيضاً دور الدولة والعنف في فتح الأسواق وتأمين الموارد، من خلال مفهوم "رأسمالية الحرب" الذي يسلط الضوء على الجانب العنيف في توسع النظام الرأسمالي عبر التاريخ.

تجاوز الروايات التقليدية وإعادة التشكيل الفكري

يؤكد بيكيرت في كتابه على "الطبيعية الزائفة" للرأسمالية، مشيراً إلى أنها ليست "حالة طبيعية" أو "نهاية التاريخ" كما رُوّج في تسعينيات القرن الماضي. بل يرى أنها اختراع بشري حديث نسبياً، نشأ عبر:

  1. العنف والاستعمار
  2. تحالفات بين الدولة والتجار
  3. آليات "رأسمالية الحرب"
  4. أنظمة عمل متنوعة عبر القارات

يقول بيكيرت إن الناس يتخيلون نهاية العالم أسهل من نهاية الرأسمالية، لأنها تبدو "أبدية" في المخيلة الجماعية. لكن كتابه يُظهر أنها نظام تاريخي وقابل للتغيير، مما يفتح الباب لتخيل بدائل اقتصادية واجتماعية جديدة.

ربط التاريخ بالأزمات المعاصرة

يقدم الكتاب رؤية مهمة لفهم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحالية، من خلال ربط تاريخ الرأسمالية بالمشكلات المعاصرة مثل:

  • عدم المساواة المتفاقمة على المستوى العالمي
  • ظاهرة الأَموَلة المفرطة للاقتصادات
  • تدمير البيئة وأزمات المناخ المتسارعة
  • ضعف الطبقة الوسطى في العديد من المجتمعات

يناقش بيكيرت الليبرالية الجديدة التي انتشرت منذ سبعينيات القرن الماضي بوصفها مشروعاً تاريخياً لإعادة هيكلة الرأسمالية، ويُظهر كيف أدت إلى توسع الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بدلاً من تحقيق الرخاء العالمي المنشود.

مقارنة مع أعمال تاريخية أخرى

غالباً ما يُقارَن كتاب بيكيرت بكتاب توماس بيكيتي الشهير "رأس المال في القرن الحادي والعشرين"، لكن الاختلاف بينهما جوهري. بينما يركز بيكيتي على عدم المساواة والإحصاءات الحديثة، يقدم بيكيرت تاريخاً عريضاً وروائياً لنشأة النظام الرأسمالي نفسه، متتبعاً جذوره عبر ألف سنة من التطور التاريخي.

أهمية الكتاب كاستثمار فكري

يُعد كتاب "الرأسمالية: تاريخ عولمي" استثماراً فكرياً كبيراً لفهم العالم الحالي ومستقبله. فهو لا يقتصر على السرد التاريخي فحسب، بل يُعيد تشكيل طريقة تفكيرنا في النظام الذي يحكم حياتنا اليومية في مجالات متعددة تشمل:

  • أنماط العمل والاستهلاك
  • السياسات الاقتصادية العالمية
  • التحديات البيئية والمناخية
  • العلاقات الاجتماعية والطبقية

يغطي هذا الكتاب المهم قصة سردية نسجها الإنسان في البحث عن المال وفرص تضخيم الثروات عبر التاريخ، وبفهم دقيق لهذه المسألة الأساسية، يمكن فهم العديد من ألغاز وطلاسم الصراعات الجيوسياسية حول العالم اليوم. الكتاب يجعلنا نرى أن الرأسمالية ليست "قدراً" محتوماً، بل هي نتاج تاريخي يمكن فهمه وتحليله وإعادة تشكيله نحو مستقبل أكثر إنصافاً واستدامة.