في مطلع القرن التاسع عشر، تبنى الطبيبان والمؤلفان بنيامين رش وجون جالت مفهوم العلاج بالقراءة، وذلك ضمن إطار أوسع عُرف بـ "العلاج المعنوي". يشمل العلاج المعنوي أنشطة مثل البستنة والحياكة والتجارة والرسم والقراءة والكتابة، بهدف تحسين الحالة النفسية للمرضى. وقد اكتسب العلاج بالقراءة زخماً كبيراً في ظل هذا التيار، حيث اعتمده رش وجالت أداةً فعالة لعلاج مرضاهم.
جذور العلاج بالقراءة في القرن التاسع عشر
لقد قال الطبيب جون جالت بالحرف الواحد: "إنّ القراءة بالنسبة إلى مرضاه تعتبر مصدراً للمشاعر السارة، في حين أن المريض قبل القراءة كان يقضي وقته في سأم وملل قويان". هذا التصريح يسلط الضوء على الأثر الإيجابي للقراءة في تحسين المزاج وتخفيف الأعراض النفسية، مما جعلها جزءاً لا يتجزأ من العلاج المعنوي.
الكتابة العلاجية: إلهام من الماضي
عندما اطلع الكاتب أحمد عبد الرحمن العرفج على هذا الاكتشاف الجميل للطبيبين، استلهم فكرة تأليف كتاب عن "الكتابة العلاجية". فهو يرى أن العلاج بالكتابة والقراءة والبستنة والتجارة والحياكة، كلها أعمال تساهم في علاج أي مريض إذا تفرغ لها وصدق ما عاهد المهارة عليها. هذه الأنشطة ليست مجرد هوايات، بل أدوات علاجية قوية يمكنها تحسين الصحة النفسية.
تجربة شخصية في الشعر
ولتسجيل هذا الاختراع، نظم العرفج أبياتاً من الشعر حول "الكتابة العلاجية" يقول فيها:
إني أعالجُ بالحروف مواجعي..
فترفّقوا بدفاتري وأصابعي
حاولتُ كتمان الأنين بأضلعي..
لكن سطوَ الحرف هز مَضاجِعي
إني كتبتُ على البياض حكايتي..
والحبر يرسم في السطور مدامعي
عالجتُ نفسي بالكتابة بعدما..
عجزَ الطبيبُ عن اكتشاف مواجعي!
تعكس هذه الأبيات تجربة شخصية عميقة، حيث أصبحت الكتابة وسيلة لمعالجة الآلام التي عجز الأطباء عن تشخيصها. يؤكد العرفج أن الكتابة ليست مجرد تعبير فني، بل هي علاج حقيقي يمكنه تخفيف المعاناة النفسية.
أهمية العلاج بالقراءة والكتابة اليوم
ما زال مفهوم العلاج بالقراءة والكتابة يحظى باهتمام متزايد في العصر الحديث، حيث تستخدم المكتبات والمراكز الصحية هذه الأدوات لمساعدة المرضى على التعامل مع التوتر والقلق والاكتئاب. تشير الدراسات إلى أن القراءة يمكن أن تخفض مستويات التوتر بنسبة تصل إلى 68%، بينما تساعد الكتابة التعبيرية في معالجة الصدمات وتحسين الصحة النفسية. إن دمج هذه الممارسات في العلاج النفسي يمكن أن يكون فعالاً للغاية، خاصة عندما يقترن بالعلاجات التقليدية.



