تقرير أممي يكشف عن فظائع مروعة في الفاشر السودانية
أصدرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقارير صادمة تكشف عن تصاعد خطير في الانتهاكات بحق المدنيين في مدينة الفاشر غربي السودان. وصف الهجوم بأنه من أكثر موجات العنف دموية منذ اندلاع الصراع في البلاد، مع اتهامات مباشرة لقوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها بارتكاب جرائم ترقى إلى جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية.
قتل جماعي وإعدامات ميدانية
وثقت التقارير الأممية عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية، حيث قُتل آباء وأمهات أمام أطفالهم. كما سجلت حالات اغتصاب وعنف جنسي، إلى جانب عمليات اختطاف ونهب واسعة النطاق، وتهجير قسري للسكان. واستهدف الهجوم أيضاً العاملين في المجال الإنساني والطبي، مما زاد من تعقيد الأزمة.
وبحسب التحقيقات التي استندت إلى مقابلات مع أكثر من 140 شاهداً وضحية داخل السودان وشرق تشاد، قُتل أكثر من 6 آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى للهجوم الأخير على الفاشر. بين هؤلاء الضحايا، كان ما لا يقل عن 4400 شخص داخل المدينة، وأكثر من 1600 شخص قُتلوا أثناء محاولتهم الفرار عبر طرق الخروج. تشير التقديرات الأممية إلى أن العدد الفعلي للضحايا أعلى بكثير، مع استمرار أعمال العنف أسبوعاً كاملاً.
استهداف عرقي ممنهج واستخدام التجويع كسلاح
أكدت المنظمات الدولية أن كثيراً من الهجمات استهدفت المدنيين بناءً على انتمائهم العرقي أو هوياتهم المفترضة، في نمط متكرر من العنف الموجّه. شمل هذا أيضاً استخدام التجويع كسلاح حرب عبر تدمير المرافق الأساسية ومنع وصول المساعدات الإنسانية.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن هذه الممارسات قد ترقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية، بل وجرائم إبادة جماعية، في ظل تكرار الانتهاكات واتساع نطاقها خلال العامين الماضيين.
مأساة النزوح المفتوحة وأوضاع إنسانية قاسية
تسببت الهجمات في موجات نزوح واسعة، حيث يواجه عشرات الآلاف أوضاعاً إنسانية قاسية في مناطق النزوح. يعاني النازحون من نقص حاد في الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الصحية، خصوصاً بين الأطفال والنساء وكبار السن.
كما يواجه كثير من المدنيين خطراً مضاعفاً نتيجة منعهم من الوصول إلى مناطق آمنة. اضطر الفارّون إلى السير عشرات الكيلومترات على الأقدام للنجاة، في حين أظهرت مقاطع مصوّرة عمليات إعدام لأشخاص أثناء محاولاتهم الفرار. تشير التقديرات الأممية إلى أن أعداد الضحايا بلغت المئات، بينما تشير مصادر إعلامية إلى أن العدد ربما تجاوز ألف قتيل في بعض الوقائع.
جرائم حرب موثّقة وتحذيرات أممية عاجلة
خلص التقرير الأممي إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الانتهاكات تشمل القتل المتعمد، واستهداف المدنيين، والهجمات العشوائية، وتجويع السكان، والاعتداءات على العاملين في المجالين الطبي والإنساني. بالإضافة إلى ذلك، سجلت حالات عنف جنسي، وتعذيب، واختفاء قسري، وتجنيد الأطفال واستخدامهم في القتال.
أكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن استمرار الإفلات من العقاب يغذي دوامات العنف. ودعا إلى تحقيقات مستقلة ونزيهة تفضي إلى محاسبة المسؤولين، بمن فيهم القادة وكبار المسؤولين المتورطين في الجرائم. كما حث أطراف النزاع على وقف الانتهاكات فوراً، ودعا الدول ذات النفوذ إلى التدخل لمنع تكرار ما جرى في الفاشر، مع دعم مسارات الوساطة للتوصل إلى وقف شامل للأعمال العدائية والعودة إلى مسار حكم مدني.
اتهامات بتغذية الصراع وتدفق السلاح
في سياق متصل، تتهم أطراف سياسية وإعلامية أبوظبي بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع. يشمل هذا التهم تزويدها بمعدات قتالية متطورة، وتأمين خطوط الإمداد، والاستعانة بمرتزقة أجانب. وفق هذه الاتهامات، أسهم هذا الدعم بشكل مباشر في تفجير الاقتتال الداخلي داخل السودان وتحويله إلى حرب شاملة مفتوحة.
كما مكّن المليشيات من توسيع نطاق سيطرتها وفرض وقائع عسكرية بالقوة، على حساب مؤسسات الدولة الشرعية ووحدة القرار الوطني. أدى هذا إلى تعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية حقيقية، حيث يرى مراقبون أن استمرار تدفق السلاح والدعم الخارجي أطال أمد النزاع وعرقل أي مسار جاد للحل السياسي.
كارثة إنسانية تتفاقم مع استمرار العنف
تُعد المجازر التي شهدتها الفاشر ومناطق واسعة من دارفور، بحسب هذه القراءات، نتائج مباشرة لسياسات تمكين المليشيات بالسلاح والغطاء السياسي، وليست أحداثاً معزولة. تؤكد تقارير أممية وتحقيقات دولية أن مسارات السلاح المرتبطة بالدعم الخارجي تحولت إلى شريان رئيسي يغذي آلة الحرب، ويُبقي دائرة العنف مفتوحة، ويطيل أمد المأساة الإنسانية.
ومع استمرار الحصار وتواصل المعارك، تتجه الأوضاع الإنسانية نحو مزيد من التدهور. تحذر الأمم المتحدة من أن ما جرى في الفاشر قد يتكرر في مناطق أخرى إذا لم يتم التحرك سريعاً لوقف القتال وحماية المدنيين، ووضع حد لدورة العنف المتصاعدة.