إيران واستراتيجية البقاء: فخ المفاوضات والهروب إلى الأمام
في دهاليز السياسة الخارجية الإيرانية، لا يُقاس الزمن بالساعات التقليدية، بل بالنفس الطويل وقدرة الصبر على استنزاف الخصوم، حيث يتحول «كسب الوقت» إلى عقيدة سياسية متجذرة تهدف إلى تحويل الأزمات الوجودية إلى منصات للمناورة وفرض الأمر الواقع، بدلاً من البحث عن حلول حقيقية.
استراتيجية حياكة السجاد: صبر مفرط وإنهاك الخصوم
تعتمد إيران استراتيجية تشبه إلى حد بعيد «حياكة السجاد» التي تجيدها واقعاً ومجازاً؛ فهي عمل دؤوب يتطلب صبراً مفرطاً وإغراقاً في التفاصيل المملة لإنهاك الطرف الآخر، وفي ظل الحصار البحري والضغوط الأمريكية المتصاعدة، يتحوّل «الوقت» إلى السلعة الوحيدة التي يمكن لطهران تصديرها حين يختنق اقتصادها.
طهران لا تُفاوض للوصول إلى نقطة تلاقٍ، بل تستخدم طاولة الحوار كدرع زمني يمنحها المساحة الكافية لتطوير أوراق قوتها العسكرية والنووية بعيداً عن أعين الرقابة المشدّدة، وهذا النهج يعكس فلسفة النفس الطويل والهروب الممنهج إلى الأمام.
التصعيد المحسوب وإعادة تشكيل معادلة الكلفة
في الوقت الذي يضيق فيه الخناق العسكري على الممرات المائية الحيوية، لا تبدو طهران معنية بمواجهة الواقع عبر تفكيك الأزمة أو البحث عن حلول مسؤولة، بل تمضي في تبنّي نهج تصعيدي محسوب يفتقر إلى الشفافية في مقاصده.
الهدف لا يتمثل في كسر الحصار بقدر ما هو إعادة تشكيل معادلة الكلفة؛ إذ تسعى إلى جعل الانتظار عبئاً ثقيلاً على المجتمع الدولي، فكلما طال أمد الأزمة دون أفق واضح للحل، بقي أمن الطاقة العالمي وأسعار الأسواق رهينة للتقلبات السياسية الإيرانية.
هذا يتيح لها توسيع هامش الضغط وابتزاز النظام الدولي لانتزاع تنازلات، دون أن تقدم في المقابل التزامات حقيقية أو حلولاً مستدامة، مما يزيد من مخاطر عدم الاستقرار.
ثلاثية الاستراتيجية الإيرانية: تفتيت الإجماع وتثبيت المكتسبات
تاريخياً، أثبتت التجارب أن الحوار مع طهران غالباً ما يتحوّل إلى نفق طويل من المماطلة الممنهجة، حيث تسعى الاستراتيجية الإيرانية دائماً إلى تحقيق ثلاثية ثابتة:
- تفتيت الإجماع الدولي عبر إطالة النقاشات لخلق فجوات بين واشنطن وحلفائها من جهة، وبين القوى الشرقية من جهة أخرى.
- تثبيت المكتسبات الميدانية في استغلال حالة «اللا سلم واللا حرب» لترسيخ نفوذ وكلائها في المنطقة.
- تجنّب الاتفاقات الشاملة بالهروب من أي صيغة نهائية تضع حداً للتسلح، وتفضيل «أنصاف الحلول» الهشة التي يمكن التحلل منها في أي لحظة.
تأثيرات خطيرة على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي
هذا النهج لا يقف خطره عند حدود الجغرافيا الإيرانية، أو عند حدود الصراع بين نظام إيران والولايات المتحدة، بل يضرب ركائز الاستقرار الدولي والسلم العالمي، فالأمن الإقليمي يبقى معلقاً على فوهة بركان، والاقتصاد العالمي يظل تحت رحمة التهديدات في مضيق هرمز.
إمدادات الطاقة تظل رهن مزاج طهران، مما يزيد من التقلبات في الأسواق العالمية، إن غياب الإرادة الإيرانية في التوصل إلى اتفاق جاد يعكس رؤية النظام بأن الاستقرار الحقيقي قد يعني نهاية مشروعه التوسعي، لذا يظل الهروب إلى الأمام هو الخيار الأوحد.
أسئلة جوهرية ومستقبل غامض
يبقى السؤال الجوهري: إلى متى سيظل المجتمع الدولي يضبط ساعته على توقيت طهران؟ إن السياسة القائمة على امتصاص الضغوط بالمماطلة قد تنجح في إطالة عمر النظام، لكنها كارثية على أمن المنطقة.
بينما يبحث العالم عن «مخرج آمن»، تبحث إيران عن «وقت إضافي»، وبين هذين المسارين تتبدّد فرص السلام وتزداد مخاطر الانفجار، مما يتطلب يقظة دولية متزايدة لمواجهة هذه التحديات.



