تطرح المقالة مبادرة وطنية سعودية بعنوان «يبني البلد ابن البلد» تهدف إلى تحويل المواطن من باحث عن عمل إلى شريك في التنمية، عبر تمكين الشباب والشابات من مزاولة المهن والأنشطة التي يتقنونها في بيئة تنظيمية داعمة وحوافز مرتبطة بالجدية والنجاح. ترتكز المبادرة على اشتراطات محددة للمستفيدين، وتسهيلات في الرسوم بالبدايات، وآليات لتوطين الوظائف ونقل الخبرة، مع رقابة تمنع التحايل، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد والأمن والمجتمع والتعليم والصناعة. يؤكد المقال أن الاستثمار في الإنسان السعودي هو الأجدى، وأن الأوطان لا تبنى إلا بسواعد أبنائها حين تُمنح الثقة والفرصة.
من باحث عن عمل إلى شريك في التنمية
حين يصبح المواطن شريكًا في صناعة الفرص، لا باحثًا عنها فقط؛ تتحول الطاقات المعطلة إلى قوى منتجة، وتغدو الورش مصانع، والمهن خبرات، والأحلام مشاريع ترفد الاقتصاد الوطني. فالأوطان لا تكتفي بأبنائها متفرجين على التنمية؛ بل تحتاج إليهم صُنّاعًا لها. في ظل التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية؛ لم يعد الحديث عن الوظائف التقليدية وحده كافيًا لمواجهة تحديات سوق العمل، بل أصبحت الحاجة ملحة إلى مبادرات وطنية تصنع الفرص، وتنمّي القدرات، وتحول المواطن من باحث عن عمل إلى شريك في التنمية وصانع لها. ومن هنا تبرز فكرة «يبني البلد ابن البلد»؛ مبادرة وطنية تستهدف تمكين الشباب السعودي والشابات السعوديات من مزاولة المهن والأنشطة التي يتقنونها، ضمن بيئة تنظيمية جاذبة، ودعم حكومي مدروس، وضوابط تضمن الجدية والاستدامة. فالسوق السعودي اليوم، بما يشهده من توسع في المشاريع، وتنوع في الأنشطة، قادر على استيعاب أبناء الوطن وبناته، بل إنهم أولى بالمشاركة في صناعة مستقبله وجني ثمار نموه. وليس المقصود بذلك إقصاء أحد، وإنما تمكين المواطن السعودي من أخذ دوره الطبيعي في البناء والإنتاج.
أسس المبادرة واشتراطاتها
تقوم المبادرة على أسس واضحة، من أهمها: أن يكون المستفيد سعودي الجنسية. ألا يقل مؤهله العلمي عن الثانوية العامة، مع شمول أصحاب المؤهلات الجامعية. أن يباشر العمل بنفسه، ويتولى إدارة منشأته والإشراف عليها بدوام كامل. أن يمتلك الخبرة أو المهارة اللازمة للنشاط الذي يمارسه، من خلال تقديم شهادة من ذوي الخبرة، معتمدة من معهد التدريب المهني والتقني، ومصدقة من الغرفة التجارية. أن يلتزم بجميع الأنظمة والاشتراطات المهنية المعتمدة. ولأن البدايات كثيرًا ما تكون مثقلة بالتحديات؛ فإن المبادرة تقترح إعفاء المستفيد من بعض الرسوم والالتزامات الحكومية خلال سنوات التأسيس الأولى، وفق ضوابط محددة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين. كما تتبنى مبدأ الدعم المرتبط بالنجاح؛ فكل من يثبت جديته، ويحقق نتائج إيجابية، ويلتزم بمعايير الجودة، يُمنح فرصًا أكبر للتوسع والترقي، عبر حوافز إضافية وتسهيلات تساعده على الانتقال من مشروع صغير إلى كيان أكثر تأثيرًا. وقد قيل: «كل شجرة عظيمة كانت يومًا بذرة صغيرة»؛ وكذلك المشاريع الكبرى؛ فإنها لا تبدأ عملاقة، بل تنمو بالرعاية، وتتسع بالخبرة، وتترسخ بالإصرار.
بيئة جاذبة للشباب
إن خلق بيئة جاذبة للشباب السعودي والشابات السعوديات هو حجر الأساس في نجاح هذه المبادرة. بيئة تؤمن بأن العمل المهني والتقني والحرفي ليس خيارًا هامشيًّا، بل مسارًا وطنيًّا مشرّفًا، يمكن أن يقود إلى الريادة والتميز. فورشة صغيرة اليوم قد تصبح مصنعًا وطنيًّا غدًا، ومؤسسة ناشئة قد تتحول إلى شركة رائدة توفر عشرات الوظائف. وهنا تتجلى حقيقة تقول: "المصانع الكبرى لا تولد عملاقة، بل تبدأ بورشة، وحلم، وصاحب مهنة يؤمن بما يصنع". كما أن تنوع الأنشطة الاقتصادية التي تستهدفها المبادرة سيؤدي إلى توزيع الفرص على مختلف القطاعات، ويمنح الشباب والفتيات مساحة أوسع لاختيار المجالات التي تتوافق مع قدراتهم وميولهم.
نقل الخبرة وتوطين الوظائف
وفي سبيل تعزيز نقل الخبرة وتوسيع المشاركة الوطنية في سوق العمل؛ يمكن إيجاد آليات تحفز المنشآت على توظيف وتأهيل الكفاءات السعودية عمليًّا، بما يضمن انتقال المعرفة وتراكم الخبرات لدى أبناء الوطن. ومن بين تلك الآليات؛ دراسة اشتراط توظيف شاب أو شابة سعودية مقابل كل خمسة عاملين غير سعوديين في الأنشطة التي تسمح طبيعتها بذلك، بما يحقق التوازن بين احتياجات السوق وأهداف التوطين. فالخبرة الوطنية لا تُستورد جاهزة، بل تُبنى عبر الزمن، ولذلك: "الخبرة الوطنية ليست قرارًا يُصدر، بل ممارسة تتراكم، وفرصة تُمنح، وثقة تُبنى". وفي المقابل؛ فإن نجاح المبادرة يتطلب مواجهة الممارسات التي تفرغها من مضمونها، من خلال الرقابة الفاعلة، وتطبيق الجزاءات المالية بحق كل من يثبت عدم التزامه بالإدارة الفعلية لمنشأته، أو حضوره الشكلي دون ممارسة حقيقية للنشاط، حفاظًا على العدالة والتنافس الشريف، وضمانًا لوصول الدعم إلى مستحقيه.
الأثر المتعدد الأبعاد
إن الأثر المتوقع لهذه المبادرة لا يقف عند حدود الاقتصاد، بل يمتد إلى جوانب أمنية واجتماعية وتعليمية وصناعية وتقنية. أمنيًّا؛ يعزز الاستقرار الاقتصادي الشعور بالانتماء والمسؤولية، ويحد من الآثار المترتبة على قلة الفرص. واجتماعيًّا؛ يرسخ ثقافة العمل والإنتاج، ويمنح الأسر السعودية مصادر دخل مستقرة تسهم في تحسين جودة الحياة. وتعليميًّا؛ يدفع نحو مواءمة المخرجات مع احتياجات السوق، ويعزز من قيمة التعليم المهني والتقني، ويغرس ثقافة الإتقان منذ المراحل المبكرة. وصناعيًّا وتقنيًّا؛ يسهم في توطين المعرفة، ورفع مستوى الكفاءة المحلية، وتقليل الاعتماد على الخارج في كثير من المهن والخدمات. ولعل أعظم ما يمكن أن تحققه هذه المبادرة؛ هو صناعة أيادٍ سعودية ذات خبرات عالمية في مختلف المهن والحرف والتخصصات الفنية؛ لأن الإتقان وليد الممارسة، والخبرة ثمرة الفرصة. "الوظيفة تمنح الفرد دخلًا، أما المهنة فتمنحه مستقبلًا".
استثمار في الإنسان السعودي
إن المملكة العربية السعودية، وهي تمضي بثبات نحو تحقيق مستهدفات رؤيتها الطموحة؛ بحاجة إلى مبادرات تجعل المواطن شريكًا مباشرًا في التنمية، لا متلقيًا لنتائجها فحسب. فالاستثمار في الإنسان السعودي هو الاستثمار الأكثر أمنًا واستدامة وربحية للوطن. "حين يتحول الشاب من باحث عن فرصة إلى صانع لها، يكون الوطن قد ربح أكثر من موظف؛ لقد ربح شريكًا في التنمية". إن مبادرة «يبني البلد ابن البلد» ليست مجرد عبارة عاطفية، بل مشروع وطني يستحق الدراسة والتطوير؛ لأنه لا يصنع وظائف فحسب، بل يصنع خبرات، ويبني كيانات، ويؤسس لجيل قادر على المنافسة والإنتاج وقيادة المستقبل. وقد نستورد الآلات والتقنيات، لكن هناك أمرًا لا يُستورد أبدًا: "الانتماء لا يُستورد؛ فالبلد يبنيه ابن البلد".
دعوة للإبداع والعمل
ليست القضية أن نوظف كل شاب وفتاة فحسب، بل أن نفتح أمامهم أبواب الإبداع والعمل والإنتاج. فكل منشأة ناجحة تبدأ بفكرة، وكل مصنع كبير كان يومًا ورشة صغيرة، وكل خبير عالمي بدأ متدربًا يبحث عن فرصة. إن الاستثمار في الإنسان السعودي ليس خيارًا اقتصاديًّا فقط، بل ضرورة وطنية ذات أبعاد أمنية واجتماعية وتعليمية وصناعية. وحين نثق بأبناء الوطن، ونمكّنهم من أدوات النجاح؛ فإننا لا نبني مستقبل أفراد، بل نصنع مستقبل أمة. فالأوطان لا تُبنى بالموارد وحدها، وإنما تبنيها سواعد أبنائها حين تُمنح الثقة، وتُهيأ لها الفرصة، ويُفتح أمامها الطريق. وحين نمنح ابن الوطن فرصته الحقيقية؛ فلن يكتفي بالبحث عن وظيفة، بل سيصنع فرصة، ويبني كيانًا، ويترك أثرًا يتجاوز حدود عمره. فقد نستورد التقنية، ونستعين بالخبرات، لكن هناك حقيقة يجب أن نعيها: "الأوطان لا يبنيها إلا أبناؤها… والبلد يبنيه ابن البلد".



