الصومال يشهد تحولاً تاريخياً: كرة القدم النسائية تزدهر بعد سنوات من المنع
شهدت العاصمة الصومالية مقديشو مشاهد غير مسبوقة عندما تجمع مئات الصوماليين بحماسة لمشاهدة فريقين من الشابات يلعبان كرة القدم في أحد الملاعب المحلية، في حدث كان من المستحيل تخيله قبل بضع سنوات فقط في هذا البلد المحافظ الذي عانى من النزاعات الطويلة.
تحول جذري في واقع كان مستحيلاً
كانت مثل هذه المناسبات الرياضية النسائية حتى وقت قريب مهددة بشدة في العاصمة الصومالية من قبل حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي تعارض بشكل قاطع الأنشطة الترفيهية مثل كرة القدم، خصوصاً عندما تمارسها النساء. ومع أن الحركة ما زالت تحتفظ بنفوذ قوي في الخفاء داخل مقديشو، فإن الوضع الأمني شهد تحسناً ملحوظاً سمح بإقامة هذه الفعاليات التاريخية.
خلال المباراة التي أقيمت يوم الثلاثاء، كان المدرج الرئيسي في الغالب مقسوماً بين الجنسين، لكنه ضم أيضاً بعض الرجال والنساء يجلسون معاً، مما يعكس بدايات تغير في العادات الاجتماعية. وقد حقق فريق إيلايس فوزاً ساحقاً على ناسيب بنتيجة 5-0، من دون أن يؤثر ذلك على الأجواء الاحتفالية التي عمت المكان.
تطور مذهل في المشاركة النسائية
أُطلقت بطولة كرة القدم النسائية الصومالية رسمياً في عام 2024 بمشاركة 80 لاعبة فقط في بدايتها. لكن بعد أقل من عامين، ارتفع العدد بشكل مذهل ليصل إلى 600 مشارِكة ضمن 10 فرق، معظمها من مقديشو، إضافة إلى فرق من مناطق أخرى في البلاد، مما يدل على انتشار الظاهرة وتقبلها المتزايد.
قال المشجع علي محي الدين متحدثاً عن التغير الملحوظ: "لو كنت في مقديشو قبل بضع سنوات، لما كان ممكناً إقامة مناسبة كهذه، مع فريقين نسائيين يلعبان كرة القدم... لكن مع مرور الوقت، الأمور تتحسن بالفعل".
تحدي التقاليد والتهديدات الأمنية
أوضح رئيس الاتحاد الصومالي لكرة القدم علي عبدي محمد: "لم يكن أحد ليتخيل أن النساء الصوماليات سيلعبن الكرة يوماً في بلد كان المسلحون يمنعون فيه حتى الرجال من اللعب بحجة أن كرة القدم غير إسلامية". وأضاف لوكالة فرانس برس: "لكن ما لم نكن نجرؤ حتى على الحلم به أصبح واقعاً ملموساً الآن".
وأقر محمد بأن ليس كل العائلات في هذا البلد المسلم المحافظ تسمح لبناتها باللعب، لكنه أشار إلى أنهم لم يواجهوا أي اعتراضات جدية أو تهديدات مباشرة في الفترة الأخيرة، مما يعكس تحولاً في المواقف المجتمعية.
آمال مستقبلية واعدة
يحتل المنتخب الصومالي للرجال حالياً المركز 200 في تصنيف الاتحاد الدولي (فيفا)، متقدماً على عدد قليل من الدول الصغيرة فقط. أما فريق السيدات الذي خاض أول مباراة ودية له في تشرين الأول/أكتوبر في جيبوتي، فلا يزال خارج التصنيف الدولي، لكن هذا الوضع قد يتغير قريباً.
تستعد "ملكات المحيط"، كما يطلق على المنتخب النسائي، لخوض أول بطولة دولية لهن ضمن فئة تحت 17 عاماً في أيار/مايو المقبل في تنزانيا، مما يمثل خطوة تاريخية نحو الاندماج في المنافسات الدولية.
صوت اللاعبات: كسر الصور النمطية
قالت راماس عبدي صلاح، لاعبة خط الوسط في المنتخب والتي ترتدي مثل زميلاتها لباساً رياضياً فوق قميص طويل الأكمام وجوارب سميكة وغطاء رأس أسود: "اللعب بالنسبة للنساء ليس عيباً ولا مُحرَّماً". وأضافت الشابة البالغة 17 عاماً: "كما ترون، أنا مغطاة بالكامل باستثناء وجهي ويديّ. لم أتلق أي تعليقات سيئة"، مشيرة إلى أنها تحظى بدعم عائلتها الكامل.
أما حارسة المرمى نجمة علي أحمد، التي خاضت مباراة صعبة الثلاثاء وتلقت خمسة أهداف، فقد أوضحت أن ذلك لن يؤثر على حبها للعبة، قائلة: "أوجه رسالة للاعبات كرة القدم: اعملن من أجل حلم الانضمام إلى المنتخب الوطني وتحقيق الإنجازات".
رغم الشغف الكبير لدى الصوماليين بمتابعة كرة القدم الأوروبية، فإن الفرق المحلية عانت الإهمال طويلاً. لكن ظهور كرة القدم النسائية بقوة يشير إلى فجر جديد للرياضة في الصومال، حيث تتحول تدريجياً من نشاط ممنوع إلى رمز للتغير الاجتماعي والأمل في مستقبل أكثر انفتاحاً.



