في جلسات عديدة يتم تناول سيرة من سير الفنانين، وإلقاء التهم بأن فلاناً عطل مسيرة فنان متميز، ولولا محاربته لكان من أفضل المطربين. وهذه التهمة ومثيلاتها لا يمكن تصديقها لمن آمن بأن الفنان الأصيل لا أحد يغطي موهبته، فمن يقضي على الموهبة الجيدة هو الفنان نفسه بإهماله لموهبته وعدم نضاله من أجل الظهور.
من يعطل الموهبة؟
الفنان إما أن يناضل لإظهار موهبته أو يتلكأ ويخلق الأعذار لعدم نجاحه. وقد سبق أن كتبت مقالاً في هذا الجانب بعنوان «مين عذبك بتخلص مني!» بادئاً بهذا السؤال: هل بالإمكان أن يعطل شخص ما موهبة فذة ويمنعها من الظهور؟ وعلقت ذلك السؤال على ردهات الفن الغنائي تحديداً، فموروث الذاكرة الغنائية يحتفظ بقصص عديدة بأن فنانة أو فناناً عطل مواهب عديدة عاصرته خشية من أن يتفوق عليه أحدهم.
حكايات لا أساس لها
جل المتابعين للفن الغنائي يحملون حكايات وحكايات في هذا الجانب، ومع مرور الزمن تتكشف الحقائق أن كل ما قيل ليس صحيحاً. المتابعون هم من يصيغون تلك الحكايات، ومع ترديدها تتحول إلى حقيقة في أذهان الناس. فمثلاً، كثير من الناس ترسخ في بالهم أن المطربة أسمهان كانت الحادثة المرورية التي أودت بحياتها حادثة مدبرة، وأن أم كلثوم هي من دبرت تلك الحادثة، ومضت السنون وذلك الوهم ساكن في ذاكرة الناس. وسمعنا وقرأنا قصص العداء المبطّن بين عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش، وأن حليم وضع السلم بالعرض لكي يمنع فريد من الظهور، وأنه حاول اعتراض طريق هاني شاكر. وقرأنا العدائية بين الفنانات وأن كلاً منهن تتربص بالأخرى لكي تمنعها من الظهور والنجاح، ولو بسطنا حكايات العداء المحكي بين: فايزة أحمد، ووردة الجزائرية، ونجاة الصغيرة، وشادية، فلن تنتهي الحكايات. هي حكايات ليس لها أي تأكيد في حقيقة الواقع، فمن ذكرتهن ظهرن وخلدن أعمالاً عظيمة، ولو أنهن استسلمن لشعورهن بالمظلومية لما غنت أي منهن ولما قدمن أعمالاً خالدة.
تهم تبرر التقاعس
هذه الأيام ارتجت منصة (إكس) بأقاويل عن ثمة قوى حاربت أو عملت على تعطيل أسماء فنية عن مواصلة فنها! وهي تهمة تبرر تقاعس من لم يواصل الجهد والتحدي في تقديم فنه، فالنجاح ليس أن تُعرف بل في مواصلة الجهد في أن تظل ناجحاً. والشعور بالمظلومية لا يحقق نجاحاً، فذاك الشعور يثبط عزيمة البحث عن طرق النجاح ويجعل الطريق مغلقاً دائماً لمن لديه ذلك الشعور. يقال إن النجاح هو المحافظة على القمة، ومن لديه أعذار في عدم مواصلة النجاح فليرح نفسه وليرح الناس من شكواه.



