يركز الكاتب عبدالمحسن محمد الحارثي في مقاله على التفرقة بين القيم والعادات، موضحًا أن القيم لا تشيخ ولا يطويها الزمن، بينما الذي يشيخ هو فهمنا لها عندما نحمّلها عادات ومظاهر ليست منها حتى تطغى الصورة على المعنى والمظهر على الجوهر.
الفرق بين القيم والعادات
يبيّن الحارثي أن الخلل يحدث عندما تتحول العادات من وسائل مرنة إلى سلطات مقدّسة تحكم الناس وتقيّد القيم. ويضرب أمثلة على ذلك بالمبالغة في موائد الكرم، وتكاليف الزواج، والشهادة على حساب المعرفة. ويؤكد أن القيم العظيمة لا يطويها الزمن، وإنما المشكلة تكمن فيما يتراكم حولها من عادات حتى تصبح الصورة أقوى من المعنى.
العادات كذاكرة مجتمعية
يشير الكاتب إلى أن العادات في أصلها ليست عيبًا؛ فهي ذاكرة المجتمعات وعنوان هويتها، لكنها تظل اجتهادًا بشريًا يقبل المراجعة. أما القيم، فهي أعمق من العادات لأنها تقوم على المقاصد لا على الصور، وعلى المعاني لا على المظاهر. ويبدأ الخلل حين نمنح العادة قداسة القيمة، فنظن أن مراجعتها خروج عن الموروث، مع أن الوفاء الحقيقي للموروث هو الحفاظ على روحه.
مثال الكرم
يستشهد الحارثي بالكرم كمثال واضح: فالكرم عند العرب كان خلقًا قبل أن يكون مائدة. كان الضيف يطرق الباب بلا موعد، فيجد الترحيب قبل الطعام، والأنس قبل الضيافة. لم يكن الكرم بعدد الذبائح، ولا بحجم الولائم، وإنما بحسن اللقاء وطيب النفس. ثم تبدلت الصورة؛ فدخل التكلف من باب المروءة، والإسراف من باب السخاء، والهدر من باب السمعة، حتى أصبح بعض الناس لا يسألون: هل أكرمت ضيفي؟ بل: هل أعجبت الناس؟ ويقول الحارثي: "القيم لا يرهقها خصومها بقدر ما يرهقها محبوها حين يحملونها ما ليس منها".
الزواج والتعليم وصلة الرحم
يمتد العطب إلى مجالات أخرى: الزواج الذي شُرع للسكن، أثقلناه حتى أصبح بعض الشباب ينظر إلى تكاليفه قبل معانيه. وصلة الرحم التي أرادها الإسلام مودة ورحمة، اختزلناها في المناسبات. والتعليم الذي جعل طريقًا للمعرفة، غلبت عليه أحيانًا قيمة الشهادة حتى كادت المعرفة تختبئ خلفها. إنها المشكلة نفسها: حين تتحول الوسائل إلى غايات، تصبح الأشياء التي صُنعت لخدمتنا قادرة على قيادتنا.
دعوة للمراجعة
يدعو الحارثي في الختام إلى مراجعة العادات وإعادة التوازن بحيث تعود العادات في خدمة القيم لا العكس، ويُورَّث الأبناء القدرة على التمييز بين ما يستحق البقاء وما يستحق التغيير. ويقول: "إن أعظم ما نورثه أبناءنا ليس تفاصيل عاداتنا، بل قدرتهم على معرفة ما يستحق البقاء وما يستحق التغيير". ويختتم بأنه حين يعود لكل شيء مكانه الصحيح، يصبح الكرم رحمة، والزواج سكنًا، وصلة الرحم مودة، وتصبح الحياة أقرب إلى مقاصدها.



