سعيد السريحي: ناقداً وسارداً حداثياً في كتاباته النقدية والسير ذاتية
سعيد السريحي: ناقداً وسارداً حداثياً

الكتابة خارج الأقواس: تأسيس الرؤية النقدية الحداثية

في كتابه النقدي الأول (الكتابة خارج الأقواس) الصادر في ثمانينيات القرن الماضي، أسس سعيد السريحي منهجية نقدية تقوم على فكرة «الحداثة في اللغة» و«الحداثة في التعبير»، واضعاً إياها في سياق الضرورة الأدبية التاريخية والموضوعية. كانت هذه المنهجية البادئة الحقيقية التي مهدت للحراك الثقافي والإبداعي الجديد في المملكة، بما جلبته من عواصف ومعارك اجتماعية ودينية، نال السريحي من مرارتها واستعذب ما جاء بعدها من مغامرات فنية واقتحامات جريئة في تثوير العلاقات الأدبية الباردة وتحطيم المعنى الساكن للوعي الأدبي آنذاك.

الوعي الفردي وتجاوز الجماعي

انحاز السريحي للوعي الفردي المتفرد والخارج عن الوعي الجماعي في جدلية اتصال-منفصل، دون أن يقطع الحبل السري مع الموروث اللغوي أو الثقافي. دعا إلى تجاوز الوعي الجمعي الخارجي بما يحقق تفرداً في التعبير عن الرؤية، وأدرك بشكل خلاق أن «الإبداع ليس رؤية فحسب، لكنه رؤية فردية تستهدف التأكيد على حرية الإنسان إزاء العالم». وفي معرض تعليل إشكالية الغموض في القصيدة، حدد المعالم الأولى التي تسهم في توطين معنى حقيقي للحداثة في السياق الثقافي والمعرفي، نادى بضرورة الفصل بين الرؤية الفردية والرؤية الجماعية بتحريرنا من الأحكام المعيارية الصارمة في اللغة ونمط التعبير.

تجديد الموقف من اللغة والبعد المعرفي

أدرك السريحي مبكراً أهمية تجديد الموقف من اللغة، والوعي بأن اللغة تتجاوز سياقها كوصف ومعطى خارجي إلى أن تكون سكناً جديداً للوجود كما قال الفيلسوف مارتن هايدغر. ضرب مثالاً بقصيدة الشاعر محمد الثبيتي: «من الشيب حتى هديل الأباريق / تنسكب اللغة الحجريّة / بيضاء كالقار / نافرةً كعروق الزجاجة». كما أكد على أهمية وعي البعد المعرفي الذي تنطوي عليه النصوص الشعرية الجديدة، واتساع استيعاب الشاعر المعاصر للثقافات الإنسانية والمنجز الشعري الكوني، وهو ما نلاحظه في نصوص أدونيس وقصائد محمد عفيفي مطر حيث يتدخل البعد المعرفي ووعي الموروث الحضاري القديم في تشكيل النص الشعري ويغرقه في الغموض والتكثيف.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الوعي النقدي العلمي والإبداعي

ثمة عامل مهم يسعف في قراءة نص حداثي جديد، وهو حضور الوعي النقدي العلمي والإبداعي. كما يقول سعيد السريحي: «حين يتم تطوير مناهجنا النقدية والوقوف على معالم الفلسفة اللغوية الحديثة»، الأمر الذي يبعدنا عن الاحتكام إلى الفلسفات التقليدية التي لا ترى في اللغة سوى تعبير أو أداة وصف. فالقصيدة الجديدة لم تُكتب لكي تُسمع ملقاة فقط، بل مكتوبة لكي تُقرأ لما تنطوي عليه من بنية تركيبية مكانية ومعرفية وإشارية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الحياة خارج الأقواس: السيرة الذاتية كامتداد للرؤية النقدية

اختار السريحي عنواناً لافتاً لسيرته غير الذاتية: (الحياة خارج الأقواس)، موحياً بالتطابق بين الفعلين: الكتابة والحياة، كلاهما يؤولان إلى بعضهما في تشوقهما للحرية والخروج عن نسق القول وحصار الفعل. في سيرته الحميمة واللاذاتية كما سماها: (سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد)، يكتبها بلغة متخلقة من روح ودم، يكوّن لغته وينسج حكاياته وأساطيره المبتكرة ويودعها في قناني اللغة المعتقة.

سردية الموت: تخييل العدم قبل لحظته

من تخيلات الطفولة والشيخوخة ومن تدفقات الأخيلة وغرائبها الطريفة، يصنع السريحي سيرته في الموت، يكتب سيرته الغائبة كأنه يكتب الحاضر أو كأنه يكتب عن شخص آخر شاهد هو على موته. يتمنى موتاً جميلاً: «ماذا لو تغمض عينيك للنوم ثم لا تفتحتهما أبداً». تسري جدلية معنى الوجود ومعنى الموت في النسق السردي برمته، في حالة من الانسجام كأنهما وجهان لمعنى واحد. يصبح استباق لحظة الموت وتخييل وقائعه وطرائفه كأنه تخييل لوجود آخر لما بعد الوجود. تمضي السردية منسابة في أحاديثها وحواراتها باللهجة الحجازية اللماحة، وعلاقاتها بين الطفولة والشيخوخة في حالة انشداد إلى رؤية ميتافيزيقية ترى في الواقع المعيش واقعاً آيلاً نحو الغياب أو هو الغياب حياً.

جدة 915: رواية تاريخية سيمفونية

لم يكن سعيد ناقداً ومفكراً فقط، بل كان سارداً مبدعاً وقارئاً جيداً لتاريخ مدينته جدة التي أحبها، فكتب جزءاً من تاريخها في روايته القصيرة البديعة (جدة 915). رواية تاريخية سيمفونية تجلت فيها قدرة السريحي الباهرة في السردية التاريخية-الواقعية، تجلى فيها المتخيل منقوعاً في وعي المكان ووعي الزمن معاً. المكان الذي يتأبى على فعل الطغاة ولا يتأبى على فعل الانتقام منهم. كانت نهاية الكردي حسين نهاية ملحمية سطر فيها أهل جدة الشجعان قدرة هائلة على معنى الصمود أمام الزمن الغادر.

رواية متكاملة الأركان وذروة فنية

رواية (جدة 915) سردية عبقرية مكتملة الأركان في فنيتها وتركيبها ورؤاها، في سياقها وفي اتصالها بمعنى الحداثة والأفق الحداثي الناصع المتمرد الذي لا يقطع مع التاريخ ولا الزمن ولا الإنسان. في فصلها الأخير تبلغ هذه الرواية-الملحمة القصيرة المكثفة ذروتها الفنية والرؤيوية، حين ينتقم أهالي جدة من رمز الطاغية المملوكي ممثلاً في حسين الكردي الوالي المملوكي الدخيل الذي نكل بهم، فما كان مصيره غير الإعدام غرقاً وجعله وليمة لأعشاب البحر الأحمر وحوته، معلنين بذلك نهاية حقبة سوداء وسنوات عجاف علكها الأهالي مرة بأسنانهم قبل أن تعلك أسماك البحر وقروشه جسد الطاغية الغريب. كتبها سعيد قبل رحيله بقليل كأنه يسدي ديناً لمدينته التي أحبها في كل أحوالها وأزمانها من أجل حريتها وانطلاقها نحو بداياتها النهضوية.