تدوير المعرفة: الثروة التي لم نبدأ استثمارها بعد
عبدالمحسن محمد الحارثي - ١٩ يونيو ٢٠٢٦
يدعو المقال إلى الانتقال من مجرد حفظ الكتب والمعرفة إلى استثمار "الثروة المعرفية" المتراكمة في المكتبات الخاصة والعامة، محذرًا من ضياع الأفكار القيّمة داخل الكتب غير المقروءة. ويطرح الكاتب مفهوم "تدوير المعرفة" عبر بناء طبقة معرفية جديدة تستخدم الذكاء الاصطناعي لربط الموضوعات والمؤلفات، واستخراج الأفكار المركزية، وتحويل التراكم الورقي إلى خرائط معرفية حيّة تخدم التعليم والبحث وصنع القرار. وينتهي بالدعوة إلى مبادرة وطنية بعنوان "بحر المعرفة" توحّد هذه الروافد المعرفية في منظومة واحدة، لتتحول الكتب من أرشيف ساكن إلى قوة فاعلة في صناعة المستقبل.
قبل أيام زرت أحد الأصدقاء من أهل الثقافة والمعرفة؛ فرأيت مشهدًا لا يتكرر كثيرًا في هذا الزمن؛ مكتبةً عامرة تضم عشرات الآلاف من الكتب، تراصّت على رفوفها عقول العلماء والمفكرين والمؤرخين والأدباء الذين تعاقبوا على هذه الحياة عبر أزمنة مختلفة. ولم أكن أنظر إلى كتبٍ صامتة بقدر ما كنت أنظر إلى رجالٍ يتحدثون. فهنا عالمٌ أفنى عمره في البحث، وهناك مفكرٌ استنزف سنواته في التأمل، وفي زاوية أخرى مؤرخٌ جمع شتات الوقائع والأحداث، ثم رحلوا جميعًا عن هذه الدنيا، لكن شيئًا منهم بقي حيًا بين دفتي كتاب. عندها قفزت إلى ذهني حقيقةٌ طالما غفلنا عنها: الأموات موتى الأجساد، والعلماء أحياء الأبد. فالكتاب ليس حبرًا على ورق، بل عمرٌ كامل اختُصر في صفحات، وخبرةٌ إنسانية كُثّفت في كلمات، ورسالةٌ أراد صاحبها أن تعبر الزمن لتصل إلى أجيالٍ لم يرها ولم تعرفه.
لكن السؤال الذي ظل يرافقني بعد تلك الزيارة لم يكن عن قيمة الكتب، وإنما عن مصير هذا التراكم الهائل من المعرفة: كم مكتبةً خاصة في بلادنا تحتوي على مثل هذه الكنوز؟ وكم ألف كتابٍ يقبع اليوم في مستودعٍ مغلق أو كراتين منسية؟ وكم فكرةٍ عظيمة لم تمت لأنها خاطئة، بل لأنها لم تجد من يعيد اكتشافها؟ ولكي نكون منصفين؛ فقد بذلت المملكة العربية السعودية جهودًا كبيرة في بناء البنية التحتية المعرفية؛ فأنشأت المكتبات العامة، وطورت المكتبات الجامعية، ووسّعت المكتبات الرقمية، حتى أصبح الوصول إلى المعرفة أسهل من أي وقت مضى. لكن القضية لم تعد قضية مكتبات ولا كتب، ولا حتى قارئ يبحث عن معلومة. القضية اليوم: كيف نستثمر هذا التراكم المعرفي الهائل الذي صنعته أجيال متعاقبة من العلماء والباحثين والمفكرين؟
لقد تغير الإنسان، وتغيرت أدواته، وتغيرت طريقة تلقيه للمعرفة، بينما استمر تدفق المعرفة بوتيرة متسارعة. كل عام تُنشر مؤلفات جديدة، ورسائل علمية جديدة، ودراسات وأفكار جديدة، لكن السؤال البسيط المعقد: من يقرأ كل ذلك؟ وهل يمكن أن تبقى العلاقة بين الإنسان والكتاب على صورتها التقليدية في عصر الذكاء الاصطناعي؟ هنا يظهر التحدي الحقيقي: فالتحدي لم يعد في إنتاج المعرفة، بل في استثمارها. ولعلنا اليوم أمام ثروة هائلة لا تقل عن أي ثروة اقتصادية أو تنموية، لكنها ثروة متناثرة بين ملايين الصفحات وآلاف المؤلفات وعشرات المكتبات.
إن لدينا بحرًا معرفيًا عظيمًا، لكن روافده ما تزال متفرقة: ففي كل كتابٍ وادٍ من الأفكار، وفي كل مكتبةٍ جبلٌ من الخبرات، وفي كل مؤلفٍ نهرٌ من التجارب الإنسانية. غير أن هذه الروافد لا تلتقي في بحرٍ واحد، بل تبقى معزولة حتى تذبل كثيرٌ من الأفكار بين الرفوف كما تذبل النباتات بعيدًا عن الماء. ومن هنا تولدت فكرة أراها جديرة بأن تُطرح للنقاش: لماذا لا ننتقل من مفهوم حفظ المعرفة إلى مفهوم تدوير المعرفة؟ فنحن نتحدث عن تدوير المياه والطاقة، بينما نملك موردًا لا يقل أهمية: المخزون المعرفي المتراكم عبر القرون. لدينا ملايين الصفحات، وآلاف الرسائل، وتراكمٌ فكري ضخم صنعته أجيال متعاقبة… لكن السؤال الأهم: كيف نجعل هذا كله يعمل من جديد؟
أخطر ما يضيع من الأمم ليس الكتاب، بل الفكرة المحبوسة داخل الكتاب. كم من فكرةٍ يمكن أن تحل مشكلات معاصرة وهي نائمة في رفٍ بعيد، وكم من تجربةٍ ما تزال حبيسة كتاب لم يفتحه أحد منذ سنوات؟ ومن هنا؛ فإن المطلوب لم يعد رقمنة الكتب فحسب، ولا إنشاء مكتبات جديدة، بل بناء طبقة معرفية جديدة فوق هذا التراث كله: طبقة تجمع الموضوعات المتشابهة، وتربط المؤلفات بعضها ببعض، وتستخرج الأفكار المركزية، وتقارن بين الآراء، وتكشف تطور الفكرة عبر الزمن، وتحوّل آلاف الصفحات إلى خرائط معرفية حيّة يستفيد منها الطالب والباحث وصانع القرار.
في هذا الأفق؛ لا يأتي الذكاء الاصطناعي بديلًا عن الكتاب، بل أداة لإعادة إحيائه؛ يربط ما تفرق، ويستخرج ما خفي، ويعيد المعرفة إلى حركتها الطبيعية. وهنا يتحول الكتاب من نقطة وصول إلى نقطة انطلاق، وتتحول المكتبة من مستودع إلى محرك، وتتحول التقنية إلى جسر بين الماضي والمستقبل. إن الأمم العظيمة لا تبدأ من الصفر، بل تبني فوق ما أنجزه السابقون. ليس الفضل لمن بدأ البناء، وإنما لمن أضاف إليه حجرًا. ولهذا فإن الحضارات لا تُقاس بما تنتجه من جديد فقط، بل بما تحسن استثماره من قديم. وإذا كانت دورة الماء تبدأ من الجبال والسهول والأودية حتى تصب في البحر، فإن المعرفة تمر بالدورة نفسها: فكل مؤلفٍ وادٍ، وكل كتابٍ رافد، وكل مكتبةٍ نهر. لكن النهضة لا تبدأ إلا عندما تلتقي هذه الأنهار في بحرٍ واحد.
ولهذا فإنني أرى أن الوقت قد حان لإطلاق مبادرة وطنية ثقافية تحت عنوان: «بحر المعرفة» مبادرة لا تهدف إلى جمع الكتب، بل إلى جمع الأفكار في منظومة واحدة؛ تستثمر التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في استنطاق التراث المعرفي، واستخراج كنوزه، وإعادة ضخّه في التعليم والبحث العلمي وصناعة القرار والحوار الثقافي. فالمعرفة التي لا تُتداول تموت، والكتب التي لا تُستثمر تتحول إلى كراتين، أما حين تعود الأفكار إلى التداول فإنها تستعيد قدرتها على صناعة المستقبل. وحين تتوقف الكتب عن الدوران تتحول المعرفة إلى أرشيف، وحين تعود إلى التداول تتحول إلى حضارة.
ولعل الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها اليوم: أننا لسنا فقراء في المعرفة، بل أغنياء لم نحسن بعد استثمار ثروتنا. فبين رفوف المكتبات، وفي المستودعات، وفي مكتبات الأفراد والجامعات، بحرٌ كامل من الخبرات والأفكار ينتظر من يفتح له الطريق. وربما لا يكون المشروع الثقافي الأكبر في العقود القادمة بناء مكتبة جديدة، بل بناء البحر الذي تلتقي فيه كل هذه الأنهار المعرفية. هناك فقط… تتحول الكتب من ذاكرة محفوظة إلى قوة تصنع المستقبل.



