أعترف أن هذا المقال هو أصعب مقال كتبته على الإطلاق. لم أجد الكلمات مطواعة كما اعتدت، ولم تسعفني اللغة كما كانت تفعل دائماً. كانت دموعي تسبق أفكاري، وتتزاحم الذكريات في خاطري حتى اختلط عليّ الأمر وبقيت حائراً ماذا أكتب؟
أأكتب عن عمتي أم عن ابنة عمي؟ أأكتب عن المرأة التي عرفتها الأسرة سنداً ومحبةً، أم عن الإنسانة التي عرفها الناس طيبةً وكرماً ونبلاً؟ أأكتب عن صاحبة البيت المفتوح والقلب المفتوح، أم عن تلك السيرة الممتدة التي تركت أثرها في كل من اقترب منها؟
كلما هممت أن أبدأ من جانب وجدت جوانب أخرى تتسابق إلى الذاكرة. وكلما ظننت أنني أمسكت بطرف الحكاية أفلتت مني بقية التفاصيل. فبعض الراحلين لا يكفيهم مقال؛ لأنهم عاشوا حياة أكبر من الكلمات، وتركوا أثراً أوسع من أن تحتويه السطور.
سيرة عطرة
كانت رفعة بنت محمد المليص - رحمها الله - روحاً حاضرة في حياة كل من عرفها. امرأة جمعت بين نقاء السريرة ولين الجانب وكرم النفس، فعاشت محبوبة بين أهلها والناس كافة. لم تكن تعرف إلا البذل، ولم يكن بيتها يوماً موصداً في وجه أحدٍ، بل كان بيتاً عامراً بالضيوف ومفتوحاً للمحتاج ومجلساً للمحبة والألفة وصلة الرحم.
وكانت تنظر إلى الدنيا بعين الزاهد الموقن بأنها ليست سوى محطة عبور قصيرة في رحلة الإنسان إلى الدار الباقية. لم تكن تغريها مظاهر الحياة ولا زخارفها، وكانت تردد بمعنى حالها قبل مقالها أن البيوت والقصور الحقيقية ليست على هذه الأرض، بل تحتها وفي السماء حيث يبقى العمل الصالح ويخلد الأثر الطيب. لذلك عاشت متخففة من أعباء التعلق بالدنيا متزودة من الخير والمحبة والذكر الحسن وكأن قلبها كان معلقاً دائماً بما هو أبقى وأعظم.
نشأتها وأسرتها
نشأت - رحمها الله - في بيت عرف بالمروءة والكرم وحسن الذكر، فهي ابنة محمد المليص ذلك الاسم الذي ارتبط بالطيب والأصالة بين الناس. كما أنها شقيقة رجال تقلّدوا مواقع قيادية ومسؤوليات وطنية مؤثرة، فكان لهم حضورهم المشهود في خدمة وطنهم ومجتمعهم جامعين بين الكفاءة والأخلاق وبين المكانة والتواضع ليكونوا امتداداً لمدرسة أسرية عنوانها العطاء والوفاء.
وامتد هذا الإرث الكريم في حياتها الزوجية مع زوجها الراحل الشيخ سعد المليص رحمه الله. ذلك الرجل الذي وهب فكره ووقته وماله لخدمة وطنه ومجتمعه، فكان من الرواد الذين أسهموا في تأسيس التعليم النظامي في منطقة الباحة، وآمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء المكان، وأن العلم هو الطريق الأوسع نحو نهضة المجتمعات وتقدمها، فكان له حضور فاعل في المشهد الثقافي والأدبي، إذ أسهم في ترسيخ قواعد الثقافة الأدبية الأصيلة المستلهمة من قيم الشريعة الإسلامية ومبادئها السمحة، وشارك في العديد من المناشط والبرامج الأدبية والثقافية التي أثرت الحراك الثقافي في المنطقة، وتركت بصمتها في أجيال متعاقبة. وقد ظل اسمه حاضراً في ذاكرة الباحة بوصفه واحداً من الرجال الذين جمعوا بين الإخلاص للوطن والوفاء للعلم والثقافة والإنسان.
وعلى امتداد تلك المسيرة كانت الراحلة رفعة بنت محمد المليص شريكة ذلك المشوار، تسانده بصمت النبلاء، وتحتضن رسالته بروح المؤمنة الصابرة، فكان بيتهما نموذجاً للأسرة التي اجتمع فيها العلم والكرم والثقافة والأصالة وخدمة الناس قبل كل شيء.
لحظات الرحيل
أما أنا فلا أكتب اليوم بلسان قريب يرثي قريبته فحسب، بل بلسان إنسان فقد جزءاً من ذاكرته وعمره. فقد كنت عند رأسها عصر يوم رحيلها قبل أن تفيض روحها إلى بارئها بسويعات قليلة. وما زالت تلك اللحظات تسكن قلبي قبل ذاكرتي. كنت أتأمل وجهها الهادئ فأرى سكينة غمرت ملامحها وطمأنينة ملأت المكان من حولها. كان مشهداً مهيباً ومؤثراً لا يزال حاضراً في وجداني وكأن رحلة عمر كاملة من الخير والعطاء كانت تستعد لأن تختتم بلقاء كريم مع رب رحيم.
لقد أحبها الناس؛ لأنها أحبتهم واحتفظت بمكانتها في القلوب، ولأنها لم تسع إليها يوماً، بل جاءت إليها المحبة من تلقاء نفسها. تركت خلفها إرثاً من الدعوات الصادقة والذكريات الجميلة والمواقف النبيلة التي لا تنسى.
أثر الفراق
سيختلف المكان بعد رحيلك كما اختلفت القرية يوم غادرتِها أول مرة. فكما تركت هجرتك منها فراغاً في الوجوه والطرقات والذكريات، ترك رحيلك الأخير فراغاً أكبر في البيت والحي والمدينة. بعض الأشخاص لا يغيرون الأمكنة بحضورهم فحسب، بل يتركون في غيابهم أثراً لا تستطيع السنوات أن تمحوه.
رحلت رفعة بنت محمد المليص لكن أمثالها لا يغيبون تماماً. يبقون في الدعوات التي ترفع لهم وفي الأثر الجميل الذي يتركونه وفي القلوب التي عرفتهم فأحبتهم. يبقون في كل بيت شهد كرمهم وفي كل نفس لمست صدقهم وفي كل ذكرى تستعيد ملامحهم وسيرتهم العطرة.
رحم الله عمتي وابنة عمي رفعة بنت محمد المليص رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وجعل ما قدمته من خير وإحسان في ميزان حسناتها، وألهم أهلها ومحبيها الصبر والسلوان. وستبقى حاضرة في قلوب من عرفوها وأحبوها لا تغيبها الأيام ولا تطويها السنون.



