الغربة كمسار للإبداع الفكري والأدبي
منذ القدم ارتبطت المعرفة بالرحلة، وارتبط اكتشاف الذات بمغادرة المألوف. فالإنسان لا يعيد النظر في أفكاره وهويته إلا عندما يجد نفسه في مواجهة عالم مختلف يضع يقينياته موضع اختبار. ولعل هذا ما يفسر، إلى حد بعيد، ذلك الحضور اللافت للمبدعين العرب الذين ازدهرت تجاربهم الفكرية والأدبية في المهجر. فهل كانت الغربة مجرد انتقال في المكان، أم أنها كانت، في جوهرها، انتقالاً في الوعي والرؤية إلى العالم؟
يثور السؤال دوماً عن سر الغربة الذي يجعل قرائح بعض الأدباء والمفكرين والشعراء العرب تتفتق، ويفتح لهم الاغتراب نوافذ عطاء فكري وأدبي وشعري لا ينضب. فلماذا يبدع الكاتب مفكراً وأديباً في مغارس الغربة؟ ولماذا تتميّز كتابات المغتربين بتلك الروح الجديدة والمذاق الخاص، فضلاً عن جنوحها الواضح نحو النزعة الإنسانية؟
رواد المهجر وتأسيس المدارس الأدبية
لا ريب في أنّ أولئك الروّاد الأوائل، من أمثال: جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وأمين الريحاني، ورفاقهم في «الرابطة القلمية» بنيويورك، وكذلك شفيق المعلوف وفوزي المعلوف ورفاقهما الذين أسّسوا «العصبة الأندلسية» في مدينة ساو باولو بالبرازيل، على سبيل المثال قد مهّدوا طريقاً فريداً.
وينضم إلى هاتين الكوكبتين شعراء وأدباء ومفكرون آخرون كان لهم باع كبير وتأثير راسخ في مسيرة الفكر والأدب، مثل: محمود درويش، وحليم بركات، وهشام شرابي، وإدوارد سعيد، وصادق جلال العظم، والطيب صالح، وأدونيس، ونزار قباني، وأمين معلوف والطاهر بن جلون، وغيرهم. كل هؤلاء صقلت الغربة مواهبهم الإبداعية، وشكّلت لهم مساحة فكرية وأدبية مشرقة.
الغربة كفضاء للحرية الإبداعية
يبدو أنّ تجربة الاغتراب وخوض معترك «العالم الجديد» كان لها صوت الحسم، مع التسليم بأنّ لكل أديب منهم بواعثه وأسبابه الخاصة التي حملته على الهجرة، قد مثّلت شكلاً من أشكال الرحلة نحو الاستكشاف، وتحقيق الذات، وممارسة الإبداع. لقد منحتهم الغربة هامشاً رحباً في إثراء المخيلة في الكتابة والتعبير، مما مكّنهم من ملامسة حقيقة الأشياء وكنهها، والاشتباك الإنساني الخلاق معها.
والمتتبع لسيرة هؤلاء الشعراء والأدباء يلحظ أنهم تصالحوا مع غربتهم، رغم إكراهات مفهوم الهوية، فمهما يكن من أمر، تظل مسألتا الهوية واللغة في الغربة من القضايا العصية على التجاهل، فالمثقف العربي، مهما تحسّنت أحواله ونعِم برغد العيش في مغتربه، يظل مسكوناً بحنين جارف إلى ذكريات الصبا، والبيوت العتيقة، وتلك الينابيع الأولى التي رَوى منها ظمأه في بواكير حياته.
تحديات المثقف العربي في الغربة المعاصرة
بيْد أنّ المثقف المغترب، اليوم، يواجه، فضلاً عما سبق، صعوبات حياتية بالغة، لا سيما في ظل ما يشهده العالم المعاصر من ظواهر مقلقة، كالممارسات العنصرية، وموجات التطرف القومي التي اجتاحت بعض الدول الغربية. وتتضاعف هذه المخاوف مع بروز الأحزاب اليمينية المتطرفة في العقدين الأخيرين، وما يتبع ذلك من سلوكيات مناهضة لوجود الأجانب والتضييق عليهم وتهميشهم.
معاناة المثقف العربي المغترب لا تقتصر على الجانب المعيشي، بل تمتد إلى أبعاد ثقافية ونفسية ومعرفية معقدة، إذ يعيش المثقف بين فضاءين ثقافيين، فلا ينفصل تماماً عن ثقافته الأصلية، ولا يندمج كلياً في الثقافة الجديدة.
أضف إلى ذلك أنّ كثيراً من المثقفين العرب يكتبون بالعربية باستثناء بعض القلة، في بيئات لا تشكّل العربية فيها لغة تداول أو إنتاج معرفي واسع، ما يؤدي، أحياناً، إلى محدودية التواصل مع الجمهور المحلي.
الاغتراب المزدوج وتأثير الرقمنة
وفي عصر الإعلام الرقمي ومنصات التواصل، لم يعد المثقف يحظى بالمكانة نفسها التي كان يتمتع بها في العقود السابقة. لذلك يجد صعوبة في إيصال صوته أو التأثير في المجال العام كما كان الحال لدى أجيال سابقة.
ولعل الصعوبة الأشد عمقاً هي أنّ المثقف المغترب يعيش في كثير من الأحيان حالة يمكن وصفها بـ «الانتماء المزدوج أو الاغتراب المزدوج»، فهو لا ينفصل كلياً عن وطنه الأول، وموائد الحنين التي تلازمه ولا يشعر أحياناً بانتماء كامل إلى وطنه الثاني. ومن هذا التوتر الوجودي بالذات تتولد، في كثير من الأحيان، أكثر الأعمال الفكرية والأدبية عمقاً وصدقاً.
مقارنة بين عصر الرواد والحاضر
مثل هذه الظواهر السلبية لم تكن بارزة أو فجة، على هذا النحو «العدائي»، إبّان عصر الروّاد الكبار في ثلاثينيات القرن الماضي، أو فيما بعد، حيث حظي المفكرون، آنذاك، بمساحات أوسع من الحركة والانطلاق في بيئاتهم الجديدة، بل أسهموا بفعالية في إبقاء الروح الأدبية حية وبثها في سردية الثقافة، فخلقوا أدباً يتسم بالإبداع، ولغة متجددة، وألفاظاً مبتكرة مفعمة بالنزعة الإنسانية؛ وسبب ذلك أنهم عاشوا في مجتمعات متعافية من الكراهية والتمييز العنصري والتطرف.
الغربة منحت بعض المبدعين أفقاً أوسعَ في التجديد، لكنها بالنسبة إلى آخرين كانت مصدراً للعزلة والانكسار وفقدان التوازن النفسي أو الثقافي. بعض المثقفين لم يتمكنوا من الاندماج في بيئتهم الجديدة، وبعضهم عانى من القطيعة اللغوية، أو من الشعور المزمن بالاقتلاع، الأمر الذي انعكس سلباً على عطائهم أو حدّ من حضوره.
الإرث الأدبي للغربة في النهضة الحديثة
ويمكن القول إنّ حقبة أولئك الروّاد قد أحدثت هزة عميقة في طرائق التعبير وطرح الأفكار داخل مسار الأدب العربي الحديث. بعيداً عن النمطية وبُحتريّة السّبك والنهج القديم، فالذهنية الجديدة التي اصطبغ بها أدب هؤلاء المفكرين والأدباء في المهجر حملت روحاً وثّابة تتطلع بشغف إلى مستقبل أكثر إشراقاً للأدب العربي، يحمل في طياته أنفاس الإبداع الخالص ورهانه الدائم على الإنسان.
لقد أسهم هؤلاء، بحق، فيما يمكن تسميته بـ«النهضة الأدبية الحديثة»، على الرغم من الثمن الباهظ والضريبة القاسية التي يدفعها المغترب من روحه ووجدانه بعيداً عن ثرى الوطن ومهوى الفؤاد. فالغربة، وإن كانت تفتح نوافذ واسعة للرؤية والإبداع، فإنها تترك في أعماق صاحبها ندبةً خفيةً لا تشفيها الكلمات، ولا يمحوها الزمن.



