حوار خاص مع وحيد الغامدي: لي من اسمي نصيب.. ومسوّقو الغثاء واقع لا مفر منه
وحيد الغامدي: مسوّقو الغثاء واقع لا مفر منه

حوار حميمي مع الكاتب وحيد الغامدي: بين ذكريات القرية وواقع الإعلام المعاصر

في حوار خاص يجمع بين العمق الإنساني والرؤية النقدية، كشف الكاتب السعودي وحيد الغامدي عن جوانب شخصية وفكرية نادرة، متحدثاً عن طفولته الرمضانية، علاقته بالأدب، وتقييمه لواقع الإعلام الجديد.

ذكريات لا تُنسى: رمضان بين القرية والحارة

سؤال: هل فعلاً لكل من اسمه نصيب؟

الغامدي: أعتقد ذلك بشكل كبير وملاحظ، فالأسماء تحمل في طياتها معاني تنعكس على أصحابها.

سؤال: ماذا عن ذكريات الطفولة الرمضانية؟

الغامدي: كانت ذكرياتي على مرحلتين متميزتين؛ مرحلة القرية ومرحلة الحارة. في كليهما كان لرمضان دفؤه الخاص ونكهته المميزة التي لا تُنسى.

رمضان في القرية كان سحراً حقيقياً، حيث تتحول الأزقة والبيوت إلى خلية نحل عامرة بالحركة والحياة. الأطفال كانوا نجوم تلك اللحظات الساحرة، يتحولون إلى حمام زاجل بين البيوت، حاملين أصناف الطعام التي تبتكرها الجارات بأيديهن، أطباقاً لا نراها إلا في هذا الشهر الفضيل.

الحنين الذي يقتل والدموع التي تدمع

سؤال: هل يشدك الحنين للمكان؟

الغامدي: يقتلني هذا الحنين.. ويدمع عيني كلما تذكرت تلك الأيام.

سؤال: ماذا يعني أن يعود عليك رمضان وأنت تقرأ وتكتب؟

الغامدي: بصراحة، جاء هذا رمضان وأنا لا أملك ترف القراءة والكتابة كما أتمنى.

سؤال: من تفقد في هذا الشهر الفضيل؟

الغامدي: أفتقد ذاتي القديمة، تلك التي عرفتها في سنوات مضت.

طقوس رمضانية وعادات متجذرة

سؤال: ما العادة التي تحرص عليها مطلع رمضان؟

الغامدي: أرى أن رمضان كله يتلخص في تلك اللحظة الفاتنة قبيل المغرب. لذلك:

  • أحرص على أن تكون تلك اللحظة أكثر هدوءاً
  • أتتعمد أن تكون الإضاءة خافتة
  • أبتعد عن أي أصوات قدر المستطاع
  • أمتنع منذ العصر عن الخروج من المنزل

سؤال: لماذا نخص رمضان بالأطباق «الفرايحية»؟

الغامدي: أجد هذا التميز شيئاً جميلاً، فقتل الروتين المعتاد بحد ذاته فضيلة كبرى.

بدايات الصوم ومواقف لا تُنسى

سؤال: متى بدأت الصوم، وكيف قضيت أول يوم صيام؟

الغامدي: أعتقد أن ذلك كان في منتصف المرحلة الابتدائية. أذكر يوماً صمت فيه بلا سحور وأكملت الصيام، ولكن في يوم آخر كان على مائدة السحور طبق الفول، وحين استيقظت في نهار ذلك اليوم أفطرت سراً بسبب العطش الشديد.

سؤال: ما موقف والدتك من صومك المبكر؟

الغامدي: لو كنت في طفولتي أعيش مع والدتي لما سمحت لي بالصوم. ولكن للأقدار حكمة عظيمة، فقد تعودت منذ ذلك الحين على الصوم عن أشياء أهم من الطعام بكثير.

من مدرسة البراء بن مالك إلى عالم الكتابة

سؤال: أين درست المرحلة الابتدائية؟

الغامدي: درست في مدرسة البراء بن مالك بجدة بين عامي 1986 و1992.

سؤال: من بقي من زملاء الفصل في تلك المرحلة؟

الغامدي: لم تبق سوى ذكراهم «تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد».

سؤال: ما المواقف العالقة بالذهن من مراحل الدراسة؟

الغامدي: هناك مواقف كثيرة، ولكن أظرفها أنني أُصبت مرة في حصة التربية البدنية إصابة بالغة في قدمي. فحملني طالبان بدينان جداً، وحين أرادا الدخول بي مع باب المدرسة لم يتمكنا إلا بصعوبة بالغة بسبب سمنتهما وأنا بينهما محشور وأضحك وقدمي تصب دماً.

ابن بيت الشعر الذي تنكر لأصله

سؤال: كيف علاقتك بالشعر، وما البيت الأثير لديك؟

الغامدي: أنا ابن الشعر، لكني تنكرت له حين خرجت من بيته وبدأت أكتب المقالات وليس القصائد، فعوقبت على ذلك. أما البيت المحبب، والمرعب أيضاً في الوقت نفسه، فهو بيتٌ كتبته وأنا في العشرين من العمر:

"تمدّدتُ في عرض المسير يجرّني *** سرابٌ، وماضٍ عالقٌ بردائي"

ويبدو أنني كتبت معه سيناريو مستقبلي كاملاً.

رؤية نقدية لواقع الإعلام الجديد

سؤال: كيف تفرّق بين صناع المحتوى ومسوقي الغُثاء؟

الغامدي: مسوّقو الغثاء أصبحوا واقعاً لا مفر منه، وهم ظاهرة منتشرة عالمياً. دعني أخبرك أن هذه هي قواعد السوق منذ الأزل. لم يكن العمق يوماً سوى بضاعة القلّة.

ولكن الأهم في تصوري هو ضبط هذا الغثاء ومحاولة استثماره بتوجيه الفاعلين فيه ليعيدوا البرمجة باتجاهات أكثر إيجابية. الخصومة المطلقة مع السوق خطأ، مثلما أن تجاهله بالكامل خطأ آخر.

أقترح استثمار مفهوم السيولة التي يقوم عليها هذا الواقع وإعادة توجيهها بما يفيد المشهد العام بشكل أو بآخر. فالحل ليس في المواجهة المباشرة ولا في التجاهل التام، بل في التوجيه الذكي والاستثمار الإيجابي.

تطلعات مستقبلية ودعوات شخصية

سؤال: ما الأمنية التي تطلب من الله تحقيقها؟

الغامدي: على المستوى العام، أنا شبه مطمئن ومتفائل بما يجري من تغييرات في بلادنا والمنطقة والعالم. هناك الكثير من المشكلات في طريقها للحل والاستقرار بمشيئة الله.

أما على المستوى الخاص، فأدعو الله - الذي يُجري التغييرات الجيوسياسية العظيمة حالياً - أن يمنحني فقط نفحة من التغيير البسيط تعيد إلي طاقة الروح.

هذا الحوار يكشف عن شخصية كاتب جمعت بين حنين الماضي ووعي الحاضر، بين ذكريات القرية البسيطة وتحليلات الواقع المعقد، لترسم صورة إنسان عميق في مشاعره، واضح في رؤيته، وصادق في تعبيره عن ذاته وعن العالم من حوله.