رحيل الشاعر طارق آل ناصر الدين 'المير': أيقونة الشعر الفصيح والعامي في لبنان
رحيل الشاعر طارق آل ناصر الدين 'المير' أيقونة الشعر اللبناني

رحيل الشاعر طارق آل ناصر الدين 'المير': أيقونة الشعر الفصيح والعامي في لبنان

انتقل إلى رحمة الله الشاعر اللبناني طارق آل ناصر الدين، المعروف بلقب 'المير'، تاركاً وراءه إرثاً أدبياً وإنسانياً غنياً، جمع بين فصاحة الشعر العمودي وعذوبة العامية اللبنانية. كان المير شخصية محبوبة في الأوساط الثقافية والاجتماعية، حيث ترك أثراً عميقاً في قلوب محبيه وعشرائه، كحكاية بهية من زمن جميل لم يغب عن الذاكرة.

بداية التعارف في مقاهي راس بيروت

عُرف المير طارق للمرة الأولى في مقاهي 'راس بيروت'، ضمن مجلس الشاعر الراحل عصام العبد الله، الذي ظل حديث المجالس عنه حتى اليوم. لم يعرف بيروت جلساءً جمعوا بين أخوة الناس ومحبتهم مثل الراحلين عصام والمير طارق، حيث كانا شاعرين فطرا على الحب والصداقة. إذا ذُكر 'الأفندي'، عرف الناس أنه عصام العبد الله، وإذا قيل 'المير'، فهموا أنه طارق آل ناصر الدين، حتى صار اللقب لصيقاً به، معروفاً بين أهل الثقافة والناس جميعاً في العاصمة وكل نواحي لبنان، وخصوصاً في قريته الجبلية 'كفرمتى'، حيث ولد ونشأ وترعرع.

شاعر مالئ الجلسات وشاغلها

كان المير طارق شاعراً ظريفاً، يملأ الجلسات ببهجته، حيث ما دخل مجلساً إلا وأضاء فيه مصباحاً، وما نظم شعراً عامياً إلا وأضحك القلوب قبل الشفاه، وأيقظ في النفوس حنيناً إلى سهام شعره الذي كان يصوبه نحو جلسائه، بما في ذلك من تلقى منه قصائد شخصية. أحب الناس شعره بقدر ما أحبوه كإنسان محب ودود، حيث كان الشعر عنده طبعاً لا تكلفاً، سجيّة لا صنعة، ينساب من روحه كما ينساب الماء من نبع صافٍ في خاصرة جبل، وكما تنساب قطرات الطل على وريقات شجر الورد.

حالة إنسانية كاملة تجمع بين الفصحى والعامية

لم يكن المير طارق شاعراً فحسب، بل حالة إنسانية كاملة، جمعت بين فصاحة البيان في القصيدة العمودية، حيث الوزن رصين والقافية مطواعة، وبين عذوبة العامية التي تلامس القلب بلا استئذان. إذا أنشد بالفصحى، شعرت أنك أمام شاعر أصيل من زمنٍ أصيل، يحفظ أسرار اللغة ويصوغها في حلل من الوقار والجزالة. وإذا مال إلى العامية، رأيته ابن الحارة والضيعة والمقهى الشعبي، يلتقط من تفاصيل الحياة وأنفاسها ما يحوله إلى نكتة ذكية، أو بيت لا تخونه الذاكرة.

حضوره في المجالس كعيد صغير

كان حضوره في الجلسات مثل عيد صغير، حيث ما إن يجلس حتى تتبدل ملامح المكان، يتخفف الوقار الزائد، وتبتسم الوجوه المتجهمة، وتستعد الأرواح لجرعة من الفرح. في سحنته وهدوئه، كان هناك شيء من النُّبل، يشبه صورة تقليدية عن محافظين قدامى من شاربي الشاي، ما زالت تعج بهم بعض الحانات الفريدة في مدينة لندن. لم تكن نكاته عابرة أو جارحة، بل حلوة، تحمل حكمةً مستترة، أو نقداً لطيفاً، أو تعزيةً مغلّفة بابتسامة، يعرف كيف يضحِك الناس من غير أن يُسقِط هيبة أحد.

رواياته وشعره: عالم قائم بذاته

في رواياته في المجالس، كان عالماً قائماً بذاته، يبدأ الحكاية بتمهيدٍ هادئ، ثم يمضي في نسج التفاصيل، يلوّن الشخصيات بصوته، ويُبطئ حيث ينبغي الإبطاء، ويُسرع حين يقتضي المقام، حتى ينسى المستمعون الوقت ونفوسهم. في شعره الفصيح، مال إلى الموضوعات الإنسانية، كعروبي أصيل لم تفتنه المظاهر أو إغراءات المال، وبقي متصالحاً مع نفسه ومع ما أمن به طوال عمره، في مراحل متقلبة من عمر الوطن.

شعره العامي: أقرب إلى الناس وقلوبهم

وفي شعره العامي، كان أقرب إلى الناس، يلتقط من أحاديثهم اليومية مفرداتٍ بسيطة، ثم يعيد ترتيبها فتغدو لآلئ صغيرة، يُدخل البهجة إلى قلوبهم بكلماتٍ تشبههم، وتعبّر عنهم، وتواسيهم. ربما كان سرّ محبته في هذه الخلطة العجيبة بين الفصيح والعامي؛ بين الرسمي والعفوي؛ بين المنبر والمجلس، حيث لم يكن من طلاب الشهرة أو الساعين إلى أضواءٍ صاخبة.

إرث باقٍ في القلوب والذاكرة

اليوم، نفتقد المير طارق وسوف نبقى نفتقده في كل مناسبة، لا كشاعر فحسب، بل كمجلس كامل كان يقوم به وحده. نفتقد تلك اللحظة التي كان يعتدل فيها في جلسته، ومع سيجارته التي لم تنطفئ يوما، ويقول: 'اسمعوا هذه…' فتسكن الأصوات، وتتهيأ الأرواح. غاب المير، لكن العزاء أن أثره باقٍ في القلوب، فالشاعر الحق لا يموت حين يُوارى جسده، بل يعيش ما دامت كلماته تُتلى، وحكاياته تُروى، ونكاته تُستعاد بابتسامة مشوبة بالدمع.

ذكرى خالدة في المجالس البيروتية

سيظل اسم 'المير' مرتبطاً بتلك المجالس البيروتية التي عرفته وأحبته، خصوصاً منتدى الفنانة خيرات الزين في 'قريطم'، حيث كان المير فاكهة جلساته، يجد فيه ضالته المنشودة من الأنس والود والحب. سيبقى في ذاكرة أصدقائه صورة شاعر جمع الوقار والظرف، والهيبة والبساطة، والفصحى والعامية في قلب واحد، تاركاً إرثاً أدبياً وإنسانياً لا يُنسى.