من الأكثر مبيعاً؟ تساؤل عميق حول قياس القيمة الأدبية في عصر السرعة
في كل موسمٍ ثقافي، ومع كل معرض كتاب، ومع كل إعلانٍ عن قائمة "الأكثر مبيعاً"، يتكرر السؤال ذاته: من الأكثر مبيعاً؟ وكأن القيمة الأدبية تُقاس بعدد النسخ، وكأن الفكرة لا تكتمل إلا إذا عبرت شريط الأرقام، وتصدّرت الواجهة، واحتلت الرف الأول عند مدخل المكتبة. لكن هل حقاً الأكثر مبيعاً هو الأكثر تأثيراً؟ وهل كل ما يُشترى يُقرأ؟ وهل كل ما يُقرأ يُفهم؟
الأكثر مبيعاً: مصطلحٌ لامع في زمن السرعة
فالأكثر مبيعاً مصطلحٌ لامع، براق، يجذب الأنظار كما تجذب العناوين الصاخبة جمهورها في وسائل التواصل. فهو ابن اللحظة، وصديق الحملات الإعلانية، ورفيق المنصات الرقمية التي تعرف كيف تصنع ضجيجاً يسبق الكتاب نفسه. ففي زمن السرعة، لم يعد القارئ ينتظر توصية ناقدٍ متأمل، بل يكفيه وسمٌ متداول، أو صورة غلافٍ أنيق، أو اقتباسٌ عابر ليضغط زر الشراء. وهكذا تتحول بعض الكتب إلى "ظاهرة"، لا لأنها الأعمق، بل لأنها الأوسع انتشاراً.
كتبٌ هادئة: تتصدر الذاكرة دون ضجيج
لكن في الجهة الأخرى من المشهد، تقف كتبٌ لا تعرف الضجيج، ولا تجيد الرقص في ساحات الترويج. كتبٌ هادئة، تمشي إلى قارئها على مهل، تدخل بيته دون إعلان، وتستقر في وجدانه دون صخب. فهذه الكتب قد لا تتصدر قوائم المبيعات، لكنها تتصدر الذاكرة. فلا تُباع بالآلاف في أسبوع، لكنها تبقى لعقود، تُعاد قراءتها، وتُقتبس أفكارها، وتُدرّس نصوصها، ويُعاد اكتشافها مع كل جيل.
السؤال الحقيقي: من الأكثر بقاءً وتأثيراً؟
فالسؤال إذن ليس من الأكثر مبيعاً؟ بل من الأكثر بقاءً؟ ومن الذي يترك أثراً حين يهدأ التصفيق؟ ومن الذي يصمد حين تتبدل الأذواق، وتخفت الأضواء، وتختفي الحملات الإعلانية؟ فالتاريخ الأدبي يخبرنا أن كثيراً من العظماء لم يكونوا "الأكثر مبيعاً" في زمنهم، لكنهم كانوا الأكثر رسوخاً في الوعي الإنساني.
دور الخوارزميات والمنصات الرقمية
وفي عالم اليوم، تلعب الخوارزميات دور الناقد، وتتحول المنصات إلى منصات تتويج سريعة. فيكفي أن يتداول القراء كتاباً لأيام حتى يُمنح لقب "الأكثر مبيعاً"، وكأن الزمن اختُصر، وكأن التجربة اختُزلت في رقم. غير أن الأدب في جوهره ليس سباق أمتار قصيرة، بل ماراثون طويل. ليس صعوداً مفاجئاً، بل ثباتاً ممتداً.
المشكلة: عندما يصبح الرقم معياراً وحيداً
ولعل المشكلة ليست في أن يكون الكتاب "الأكثر مبيعاً"، فذلك حق مشروع لكل كاتبٍ تعب وسهر وكتب بصدق. المشكلة حين يتحول الرقم إلى معيار وحيد للحكم، فيُهمَّش العمق، وتُقدَّم الإثارة على الفكرة، ويُفضَّل السهل السطحي على العمل المتين الرصين. عندها يصبح السوق هو الحكم لا الذائقة، ويغدو الانتشار بديلاً عن الجودة.
نماذج تجمع بين العمق والانتشار
ومع ذلك، لا ينبغي أن نقع في فخ التقليل من شأن كل ما يحقق مبيعات عالية، فثمة كتبٌ جمعت بين العمق والانتشار، بين الجودة والجماهيرية، بين الفكرة الرصينة واللغة القريبة من الناس. وهذه النماذج تثبت أن المعادلة ليست مستحيلة، وأن الكتاب الجيد يمكن أن يكون محبوباً ومقروءاً على نطاق واسع، إذا وصل إلى قارئه في الوقت المناسب، وبالأسلوب المناسب.
تساؤلات القارئ الواعي
ويبقى أن نسأل أنفسنا كقراء قبل أن نكون نقاداً: لماذا نشتري كتاباً ما؟ هل لأن الجميع يقرأه؟ أم لأننا وجدنا فيه سؤالاً يشبهنا؟ وهل نبحث عن عنوانٍ متداول، أم عن فكرةٍ تُحرّك فينا شيئاً ساكناً؟ فالقارئ الواعي لا تُغريه اللافتة بقدر ما يُغريه المحتوى، ولا ينخدع بسهولة بالبريق إن لم يجد خلفه نوراً حقيقياً.
الخلاصة: الأكثر مبيعاً ليس نهاية الرحلة
فالأكثر مبيعاً قد يكون بداية الرحلة، لكنه ليس نهايتها. فقد يكون جواز عبور إلى الشهرة، لكنه ليس ضماناً للخلود. فالكتب، كما البشر، يُعرف قدرها مع الزمن، ويُختبر صدقها في ذاكرة القراء، لا في تقارير المبيعات. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نبحث عن كتابٍ يملأ رفوف المكتبة، أم عن كتابٍ يملأ فراغاً في أرواحنا؟ وهل هناك فرقٌ كبير بين أن يكون الكتاب الأكثر مبيعاً، وأن يكون الأكثر تأثيراً، بين الرقم والأثر؟