نقد حاد لمصطلح «الذكاء السياقي» في تحليل العلاقات العربية مع إيران وإسرائيل
يطل علينا بين الحين والآخر بعض النخب الأكاديمية بمصطلحات منمقة ومكيفة، لتكون بمثابة «بنج موضعي» يُراد به تخدير العقل العربي. آخر هذه التجليات كانت تغريدة للدكتور محمد المختار الشنقيطي، يصف فيها من يرى أن إيران وإسرائيل وجهان لعملة واحدة بأنه مصاب بـ «كسل عقلي وشلل إدراكي».
تبرير سياسات إيران تحت مسمى الجوار الدائم
يبرر الدكتور الشنقيطي ذلك بأن إيران «جار دائم وججزء أصيل من أمة الإسلام»، بينما إسرائيل «عدو وجودي». ثم يختم تنظيره بمطالبتنا بما أسماه «الذكاء السياقي»! بصفتي مواطناً خليجياً وعربياً لا يمتلك ترف هذا «الذكاء السياقي» الذي يُنظّر له الأكاديميون من مكاتبهم الوثيرة، أقف مذهولاً أمام الصواريخ وصفارات الأنذار و«مدرسة السياقات» هذه.
إنها مدرسة تبرر ابتلاعنا تحت مسمى «الجوار الدائم»، وتستخدم المصطلحات الأنيقة كحيلة لغسيل الجرائم. دعنا نسألك يا دكتور، وأنت أستاذ الأخلاقيات السياسية، لعلنا نُشفى من كسلنا العقلي... عن أي «سياق» تتحدث بالضبط؟
- هل تتحدث عن سياق دولة الفرس التاريخية التي عادت العرب واستعلت عليهم واعتبرتهم جنساً أدنى؟
- أم أنك تتحدث عن سياق دولة «الشاه» الذي كان ينصب نفسه شرطياً متعجرفاً على الخليج ولا يخفي مطامعه التوسعية؟
- أم تقصد سياق «الثورة الخمينية» الممتد إلى اليوم، والذي لم يُصدّر لنا سوى الميليشيات الولائية، والبراميل المتفجرة، وتمزيق النسيج الاجتماعي في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخلايا التجسسية في دول مجلس التعاون الخليجي؟
- أم لعلنا نستبق الأحداث ونتحدث عن سياق النظام «الليبرالي» القادم بعد هذه الحرب، والذي سيكون بطبيعة الحال أشد بغضاً للعرب لأسباب «عرقية وقومية» بحتة؟
السخرية من المصطلح في وقت تساقط الأقنعة
يا دكتور، إن السخرية من مصطلح «الذكاء السياقي» في هذا التوقيت الذي تتساقط فيه أقنعة المحور الإيراني هي أقل ما يمكن فعله. أن يكون المعتدي «جاراً دائماً» لا يجعله أقل خطراً من العدو الغريب؛ بل يجعله أشد فتكاً لأنه يعرف تفاصيل بيتك الداخلي.
الشلل الإدراكي الحقيقي يا سيدي ليس في مساواة إسرائيل بإيران، بل الشلل الإدراكي هو أن نُلدغ من الجار ذاته ألف مرة، وفي كل سياقاته السياسية والتاريخية المتبدلة، ثم يأتي من يطالبنا بأن نتغاضى عن خناجره المغروسة في خاصرتنا فقط لأنه يحمل بطاقة «جار من أمة الإسلام».
التقاطع في الأهداف بين إيران وإسرائيل
إسرائيل وإيران قد لا يكونان وجهين لعملة واحدة في قاعات التنظير الأكاديمي، لكنهما في شوارعنا المحترقة، وفي مدننا العربية المدمرة، يتقاطعان في هدف واحد ومسار واحد: الهيمنة على العرب واستباحة أوطانهم. وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.



