التوضيح الأول لكاهن العنصرية أحمد الصراف: رؤية متعمقة لطموحات إسرائيل الإقليمية
يوماً بعد يوم، تزداد الصورة وضوحاً، ويزداد اليقين رسوخاً، بأن أطماع إسرائيل في السيطرة، بطريقة أو بأخرى، على المنطقة «التوراتية» الممتدة من النيل إلى الفرات، ليست وهماً ولا سراباً، بل حقيقة ملموسة. فكل شيء مهيّأ حالياً لتحقيق هذا الحلم، في ظل ظروف تعتبر «مثلى» من وجهة النظر الإسرائيلية.
عوامل تمهيد الطريق لتحقيق الحلم الإسرائيلي
تشمل هذه العوامل حالة الضعف والتشرذم التي تعاني منها بعض الدول العربية، والتي توفر بيئة خصبة للتوسع. بالإضافة إلى ذلك، وجود إدارة أمريكية قوية تدعم بشكل كامل مطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، بل وتؤيد حتى نزواته، وهو دعم لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقات بين البلدين. هذا إلى جانب حكومة إسرائيلية يمينية شديدة التطرف، تعمل على تسريع وتيرة التوسع.
لم يلقَ توسع إسرائيل على حساب أراضي دول عربية، وبناء عشرات المستعمرات عليها، إلا صمتاً مطبقاً من المجتمع الدولي. حتى الاجتياح الأخير لإسرائيل لربع الأراضي اللبنانية، وجرفها، ومحو عشرات القرى الجنوبية من الوجود، قوبل بأقل قدر من الاستنكار والاحتجاج، سواء على المستوى العربي أو الدولي.
تحولات في الفكر الإسرائيلي والدعم الخارجي
تقول الفلسطينية نورة عودة، مراسلة الـ«بي بي سي»، إن مشروع إسرائيل الكبرى ليس مجرد رؤية توراتية أو حلماً صهيونياً، بل هو أيضاً فكرة أيديولوجية آمن بها الصهاينة الأوائل، رغم ضعف علاقتهم بالدين، حيث لم يترددوا في استغلال نصوص التوراة لتحقيق رؤاهم. حتى اليسار الإسرائيلي، الذي كان تاريخياً غير متحمس لهذه الفكرة، أصبح اليوم أكثر تقبلاً لها، مع تلاشي فرص فرض عقوبات على إسرائيل.
مع كل هذا الصمت، اقتنع نتانياهو بأن تطبيق الفكرة أصبح ناضجاً. وقد ساهم كلام السفير الأمريكي الصهيوني هاكابي، الذي أكد أن أرض إسرائيل الممتدة من الفرات إلى النيل حق يهودي منحه الرب لإسرائيل منذ 3000 عام، في زيادة عزم الحكومة الصهيونية على تحقيق حلمها، باعتباره فرصة «الآن أو أبداً».
أهداف إستراتيجية تتجاوز السيطرة على الأراضي
يشرح دانيال ليفي، في مقال نشر في «الغارديان»، وعمل كمفاوض سلام إسرائيلي في محادثات أوسلو الثانية، ورئيس مشروع الولايات المتحدة/الشرق الأوسط، أن الأمر يتجاوز مجرد الاستيلاء على الأراضي. فهو يتعلق أيضاً برغبة نتانياهو في أن تصبح إسرائيل قوة إقليمية عظمى. كانت أهدافه من الحرب تتمثل في إضعاف قدرة إيران إلى أقصى حد، وتحقيق انهيارها، مع تأكيده أن «هذه ليست نهاية الحملة»، وسيتم استئناف القتال.
يرى ليفي أن القضاء على إيران تماماً يمهد الطريق لتحقيق «إسرائيل الكبرى»، وزيادة مساحة الأراضي التي تدعي إسرائيل ملكيتها. وهذا ما اتبعته منذ نشأتها، مع تسارع تشريد الفلسطينيين أخيراً بشكل ملحوظ. كما سوّت إسرائيل قطاع غزة بالأرض وأعادت احتلاله، وقتلت عشرات الآلاف، ودمرت بنيته التحتية المدنية، وحصرت سكانه في 12% فقط من شريط ضيق أصلاً من الأرض.
توسعات إقليمية متسارعة ومطالبات خطيرة
ما يجري في الضفة الغربية لم يحدث ما يماثله منذ حرب الأيام الستة عام 1967. وزادت إسرائيل من احتلالها في سوريا، متجاوزةً مرتفعات الجولان، التي أصبحت جزءاً من أرض إسرائيل. وهي بصدد إعادة بناء منطقة احتلال في جنوب لبنان، وربما إلحاقها بإسرائيل، مع وجود مطالبات وزارية جادة «للتوسع حتى دمشق».
يؤكد ليفي أننا يجب أن ننظر إلى إسرائيل الكبرى كمفهوم جيوسياسي وإستراتيجي بقدر ما هي مفهوم إقليمي. الاستحواذ على الأرض والسيطرة عليها هما الجزء الواضح والسهل، وبالتالي يسعى نتانياهو إلى تحقيق شيء أكثر طموحاً وتعقيداً من مجرد السيطرة على الأراضي، من خلال مشروع هيمنة يتألف من تحالفات جديدة، مدعومة بالقوة العسكرية.
هذا التحليل يسلط الضوء على المخاطر المتزايدة، ويشير إلى أن المقال القادم قد يكون أكثر خطورة، كما يذكر أحمد الصراف في ختام مقاله، الذي يستغرق قراءته حوالي 3 دقائق.



