الحرب على إيران تهزّ وحدة الغرب وتكشف تباينًا استراتيجيًا عميقًا
يكشف التصعيد الأميركي المتزايد ضد إيران، والمتمثل في عمليات بحرية بمضيق هرمز تشمل مدمرات مزودة بصواريخ موجهة، عن تباين متزايد داخل المعسكر الغربي بين منطق الحصار الذي تتبناه واشنطن ومنطق الاحتواء الذي تتمسك به أوروبا. لم تعد الحرب في إيران تُقاس فقط بعدد الضربات العسكرية أو حدود التصعيد، بل أيضًا بما بدأت تتركه من تصدعات سياسية داخل المعسكر الغربي، حيث بدأت الأولويات تختلف بشكل واضح بين ضفتي الأطلسي.
الانقسام في الرؤية: واشنطن ترى فرصة وأوروبا تخشى التبعات
مع انتقال واشنطن إلى مستوى أعلى من الضغط ومحاولة فرض حصار بحري على إيران، بدا واضحًا أن عددًا من العواصم الأوروبية لم تعد تنظر إلى المواجهة من الزاوية نفسها، ولا تشارك الإدارة الأميركية حساباتها بشأن كيفية إدارة الحرب أو أهدافها النهائية. هذا التباين لا يعني أن أوروبا قد خرجت نهائيًا من التحالف مع الولايات المتحدة، ولا أنها انتقلت إلى موقع متساهل مع إيران، لكنه يكشف أن الحرب بدأت تفرض أولويات مختلفة.
فبينما تنظر واشنطن إلى المعركة بوصفها "فرصة" لإحكام الخناق على طهران وفرض وقائع جديدة بالقوة، تبدو أوروبا أكثر انشغالًا بمنع توسع الحرب، وحماية الملاحة في مضيق هرمز، وتفادي صدمة اقتصادية جديدة قد تضرب أسواق الطاقة والتضخم والنمو داخل القارة العجوز. هذا الاختلاف يعكس نظرة بنيوية متباينة، حيث تستطيع الولايات المتحدة، بحكم بُعدها الجغرافي وقدرتها العسكرية والمالية، مقاربة التصعيد كأداة ضغط استراتيجية، بينما تنظر أوروبا إلى الحرب من زاوية أكثر مباشرة تركز على:
- أسعار النفط وأمن الإمدادات.
- كلفة التأمين والشحن البحري.
- احتمالات الركود الاقتصادي.
- تداعيات أي فوضى طويلة في الخليج على اقتصادات هشة.
الموقف البريطاني والأوروبي: مؤشرات على الافتراق
في هذا السياق، يكتسب الموقف البريطاني أهمية خاصة، نظرًا لتاريخ لندن الداعم تقليديًا لسياسات واشنطن الخارجية. حين تعلن بريطانيا أنها لا تؤيد الانخراط في الحصار الأميركي على مضيق هرمز، فإن المسألة تُقرأ باعتبارها مؤشرًا سياسيًا على أن أقرب الحلفاء الأوروبيين إلى واشنطن لا يريدون الذهاب إلى أقصى حدود المقاربة الأميركية. بريطانيا لا تعترض على الضغط على إيران من حيث المبدأ، لكنها ترفض المخاطر الناتجة، خصوصًا إذا أدى الحصار إلى انفجار إقليمي أوسع أو إلى تعريض الملاحة والطاقة لضربات متبادلة.
أما على مستوى الاتحاد الأوروبي، فبدت اللغة أكثر وضوحًا في التركيز على أولوية إعادة حركة الملاحة في هرمز وحماية الاستقرار، وليس على توسيع دائرة المواجهة مثلما تطمح واشنطن أو تل أبيب. وهذا يعكس اختلافًا جوهريًا في النظرة إلى الأزمة، حيث يبدأ معنى الافتراق الأميركي - الأوروبي في تعريف الأولويات. بالنسبة إلى واشنطن، قد يكون تشديد الحصار جزءًا من معركة كسر الإرادة الإيرانية، أما بالنسبة إلى أوروبا، فإن أي خطوة من هذا النوع قد تتحول سريعًا إلى عبء عليها.
تداعيات محتملة: من التباين إلى الافتراق السياسي
وإذا أضيف إلى ذلك أن بعض الدول الأوروبية، مثل إسبانيا، باتت أكثر ميلًا إلى إظهار مسافة سياسية عن الاندفاعة الأميركية، فإن الصورة تصبح أكثر دلالة. فالحرب لا تنتج فقط اصطفافات، بل تدفع أيضًا بعض الحكومات إلى إعادة حساب مصالحها الوطنية بدقة أكبر، خصوصًا حين تشعر بأن واشنطن ترفع السقف العسكري من دون أن تقدم تصورًا واضحًا لليوم التالي. هذا الغموض حول الأهداف النهائية – هل الهدف تعديل سلوك إيران، أم إنهاكها، أم فرض تسوية جديدة، أم دفع نظامها نحو الانهيار؟ – هو بالذات ما يقلق أوروبا.
المشكلة أن هذا التباين قد لا يبقى محصورًا في مستوى الخطاب. فإذا مضت الولايات المتحدة أبعد في تشديد الحصار، أو إذا توسعت العمليات إلى ما يهدد بإقفال فعلي لمضيق هرمز أو بتعطيل واسع لتدفق النفط، فإن الضغوط الأوروبية ستزداد. عندها قد نكون أمام خلاف أكثر علنية داخل المعسكر الغربي، لا سيما إذا بدأت الحكومات الأوروبية تواجه ارتدادات داخلية قاسية في أسعار الطاقة والنقل والسلع.
الخلاصة: مفارقة التصعيد واختبار التحالفات
من هنا، يمكن القول إن الحرب على إيران بدأت تكشف مفارقة أساسية: فكلما ارتفع منسوب التصعيد الأميركي، ازداد القلق الأوروبي من كلفة الانخراط الكامل فيه. وهذه المفارقة قد تصبح واحدة من أهم نتائج الحرب، لأن تأثيرها لن يقتصر على إيران أو الخليج، بل قد يطال شكل العلاقة في الغرب نفسه. المواجهة مع طهران لم تعد مجرد اختبار للقوة العسكرية، بل تحولت تدريجيًا إلى اختبار لقدرة واشنطن على إبقاء حلفائها الأوروبيين من ضمن إيقاعها السياسي والعسكري.
وهنا يبرز السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن لهذا الخلاف أن يتوسع إذا استمرت الحرب وتصاعدت أدواتها؟ حتى الآن، تبدو الصورة أقرب إلى تباين عميق في إدارة الأزمة، لكنه تباين قد يتحول إلى افتراق سياسي أوضح إذا واصلت واشنطن الذهاب بعيدًا في منطق الحصار والتصعيد، فيما تتمسك أوروبا بمنطق الاحتواء ومنع الانفجار الكبير، مما يهدد بإعادة رسم خريطة التحالفات الغربية في المستقبل القريب.



