كيف يمكن – بل كيف يجب – كسر "نظام الكارثة" في لبنان؟
في ظل إعلان وقف إطلاق نار جديد، يتكرر ربما للمرة الألف، دون أن يجد خاتمة حقيقية، يبرز سؤال ملح: ليس كيف تحولت الكارثة إلى نظام لحياتنا اللبنانية، بل كيف يمكن كسر هذا النظام الكارثي؟ ها نحن أمام واقع يعيشه اللبنانيون منذ عقود، حيث أمضى الكثيرون ثلاثة أرباع حياتهم، وأكثر قليلاً، في عيش هذه الكارثة والتعايش معها، محاولين تجنب تحولها إلى نظام لا يمكن النجاة من مترتباته.
جوهر الكارثة اللبنانية
الكارثة اللبنانية تتمثل في عدم قدرة اللبنانيين على أن يكونوا أفراداً ومواطنين، وأن ينتظموا في دولة حديثة ومعاصرة، بما تعنيه من شروط ومعايير وقوانين ومؤسسات وقيم مدنية وإنسانية. إنها انكسار في انتظام العالم اللبناني، حيث يفلت شيء من معناه، من قابليته للفهم، من طمأنينته. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في وقوع هذه الكارثة فحسب، بل في ما يأتي بعدها: في ذلك التدرج الخفي الذي تنقلب فيه من حادث إلى عادة، ومن صدمة إلى إيقاع.
في لبنان، الكارثة لا تفاجئ أحداً، لأنها كفت عن أن تكون حدثاً، حين صارت شرطاً للوجود. الناس لا يعيشون رغمها، بل ضمنها. يستيقظون على انقطاع، وينامون على قلق، ويديرون تفاصيلهم الصغيرة على قاعدة أن الخلل هو الأصل، وأن الاستثناء الوحيد هو أن يسير شيء كما ينبغي، أي بشكل طبيعي. هنا، يتغير كل شيء. لا تعود المشكلة في الانهيار ذاته، بل في تشكل نمط عيش كامل فوقه: العيش في الانحطاط "الأسمى"، بمعزل عن مفهوم الدولة وكينونتها.
تأثير النظام الكارثي على المجتمع
يستلزم هذا الانحطاط أنساقاً قائمة على الزبائنية والمافيوية والميليشيوية وتبادل الخدمات، وعلاقات ووشائج تتكيف معها، ولغة تلطفها، وأخلاق تبررها لكن من دون أن تعلن ذلك. لا أحد يعلن: "لقد اعتدنا". لكن كل شيء يقول ذلك. فحين يصبح السؤال اليومي، "كيف ندبر أمورنا؟"، بدل "كيف نغير هذا الواقع؟"، نكون قد عبرنا العتبة. وحين يتحول الصبر من موقف أخلاقي إلى تقنية بقاء، يكون المعنى قد انزلق.
الكارثة، حين تستقر، تعيد تشكيل الإنسان اللبناني، تقلص أفقه، لا بالقمع، بل بالتعويد. تضعف حساسيته تجاه الفاجعة، لا لأنها خفت، بل لأنه تعلم ألا يشعر بها كامل الشعور. تجعله كائناً يجيد الاحتمال أكثر مما يجيد الرفض. وهنا تحديداً، يتبدل ميزان الكرامة. لا تعود الكرامة في أن ترفض ما لا يحتمل، بل في أن تحتمله دون أن تنهار. وهذا، في ظاهره نبل، وفي عمقه مأزق.
كيفية مواجهة النظام الكارثي
حين تتحول الكارثة إلى نظام حياة، فإنها تنتصر دون إعلان. هي لا تحتاج إلى تبرير نفسها، لأنها تصبح الإطار الذي تقاس داخله كل الأشياء. ما كان يعد غير مقبول، يصبح ممكناً، وما كان ممكناً، يصبح رفاهية. لبنان، في هذه اللحظة، لا يواجه كارثة فحسب. إنه يواجه خطراً أشد هدوءاً وخبثاً ومكراً: أن يفقد القدرة على اعتبارها كارثة. وهذا الفقدان، إن تم، لا يعني نهاية بلد فقط، بل نهاية حساسية كاملة تجاه المعنى.
لذلك، ليست المهمة أن نصف الانهيار، بل أن نقاوم اعتياده. أن نعيد إلى الكارثة حدتها في اللغة، أن نرفض تطبيعها في التفكير، أن نبقيها، مهما طال الزمن، حدثاً لا يحتمل، لا وضعاً يدار. لأن اللحظة التي تصبح فيها الكارثة قابلة للإدارة، هي اللحظة التي تفقد فيها صفتها ككارثة، وتكتسب صفة أخطر: أنها صارت نظاماً.
هذه الكارثة اللبنانية التي صارت نظاماً، هل يمكن الآن الخروج منها، في خضم التعقيدات والأخطار والتحديات والاستحقاقات الراهنة؟ وكيف؟ السؤال يصبح ملموساً وواضحاً ووجودياً، عندما ننظر إلى لبنان هذا، في اليوم الأول لإعلان وقف إطلاق النار هذا، فلا نراه إلا في مشهدية كارثيته، وفي خرابه العميم، ليس من النهر الكبير إلى الناقورة وجبل عامل فحسب، ولا في كامل جغرافيته فقط، بل خصوصاً في رمزية عاصمته ومركز السلطات فيه، حيث "نظام" انحطاطي متكامل هو كناية عن مقبرة عظمى من الهشاشة والانهيار والتذرر والفساد والزبائنية والعنف والقتل والسلاح و"التعايش"!
هناك سؤال واحد وحيد هو السؤال الداهم، ويجب أن نعرف كيف نجيب عنه: ليس كيف تحولت هذه الكارثة إلى "نظام" لحياتنا اللبنانية بل كيف يمكن – وكيف يجب – كسر هذا "النظام الكارثي"؟



