بريطانيا في قبضة أزمة ماندلسون وستارمر على صفيح ساخن
بريطانيا في قبضة أزمة ماندلسون وستارمر على صفيح ساخن

بريطانيا في قبضة أزمة ماندلسون وستارمر على صفيح ساخن

حين وقف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق عن حزب المحافظين، بوريس جونسون، أمام 10 داوننغ ستريت ليعلن استقالته، ألقى كلمة قصيرة وصف فيها وظيفة رئيس الحكومة البريطانية بأنها أحسن وظيفة في العالم. قال ذلك رغم خروجه مطروداً بعد أن تخلّى عنه وزراؤه، فلم يكن أمامه سوى الرضوخ والرحيل بشعور بالمرارة والخسارة.

الاتفاق أو الاختلاف مع جونسون ليس مهماً، فالجلوس على كرسي رئاسة الحكومة لا يختلف عن الجلوس على صفيح ساخن. وعلى الجالس هناك أن يكتسب جلداً أكثر سُمكاً من جلود التماسيح ليتحمل حرارة النار. فمكتب رئيس الحكومة يمثل البقعة التي تحظى بالأضواء، لكنها في الوقت ذاته المستهدفة دوماً بسهام الخصوم.

عند النظر إلى الوراء، نجد أن من سكنوا ذلك المقر لاقوا مصيراً مشابهاً لمصير جونسون. مارغريت ثاتشر لم تستطع إخفاء دموعها عند المغادرة، وكذلك تيريزا ماي. أما رؤساء الحكومة الآخرون من الرجال، فحرصوا على سمتهم ومسحوا دموعهم خلف أبواب مغلقة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

ستارمر في مرحلة الخطر المبكر

اللافت في أمر السير كير ستارمر، رئيس الوزراء العمالي الحالي، أنه دخل مرحلة الخطر مبكراً. بهجة الجلوس على الكرسي التاريخي تلاشت سريعاً بعدما أُشعلت تحت قدميه نيران شديدة السخونة، فتحولت البهجة إلى ألم ووجع. بقاؤه في منصبه اليوم يعتمد كلياً على درجة سُمك جلده في تحمل تلك الحرارة.

يعيش ستارمر اليوم الوضعية ذاتها التي ذاق مرارتها أسلافه، ويشرب من الكأس المريرة ذاتها. تجري عملية الدفع به خارج المقر علناً من قبل خصومه داخل حزبه ومن معارضيه في الأحزاب الأخرى، بينما لم تدخر وسائل الإعلام البريطانية جهداً في هذا السياق. قد تنجح هذه المحاولات ليجد ستارمر نفسه أمام الباب الخارجي محاصراً بعدسات الإعلام الدولية.

حكاية سعد زغلول وعجلة ستارمر

ثمة حكاية مصرية عن زعيم الوفد سعد زغلول، أنه كان إذا كان في طريقه إلى لقاء مستعجل نبّه سائقه بعبارة: لا تُسرع، فأنا مستعجل. لكن بعض الساسة ينسون أن في العجلة الندامة. هذا ما حدث لستارمر حين أراد التعجيل بتعيين سفير لواشنطن لكسب رضا الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فأخطأ مرتين: الأولى باختيار بيتر ماندلسون، وهو سياسي معروف لكن سجله ليس ناصع البياض، والثانية بالرغبة في تسريع إرساله على حساب انتظار التقارير الأمنية، ما تسبب في أزمة سياسية أدت لإقالة كبير موظفي وزارة الخارجية.

حاول ستارمر إلقاء اللائمة على الموظف المطرود، مؤكداً عدم علمه بالتقرير. لكن شهادة الموظف أمام لجنة الشؤون الخارجية أبانت أن مكتب رئيس الحكومة كان المسؤول، بل ولم ير حاجة للتقرير الأمني أصلاً، فكل همه كان تسريع وصول السفير.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

فضيحة إبستين وعلاقته بماندلسون

الكشف في أميركا عن رسائل الملياردير الراحل جيفري إبستين رفع الغطاء عن علاقة وطيدة ربطته بماندلسون استمرت حتى وفاة إبستين. مع فتح هذا الصندوق، وجد ستارمر نفسه مجبراً على سحب ماندلسون وتعريض نفسه لحملة شرسة. تحول الكرسي إلى صفيح ساخن فعلياً.

نجاة ستارمر من الأزمة الحالية -لو حدثت- تعد مؤقتة. الانتخابات المحلية في السابع من مايو لا تحمل أخباراً سارة لحزب العمال حسب استطلاعات الرأي. نجاته لا تعني التخلص من التبعات، فهي ستلتصق به مثلما تلتصق رائحة حرب العراق بتوني بلير.

نتساءل: ما كل هذا الضجيج حول قضية ماندلسون؟ فلا القضية توقفت ولا حُسمت، وكأن البلاد لم يكن فيها إلا ماندلسون. نسي السياسيون كل شيء من الغلاء إلى الجريمة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية، فغدت بريطانيا هي ماندلسون.