رد ذكي لإعلامي أمريكي يسلط الضوء على أزمة التحليل السياسي في الفضائيات العربية
أعجبني رد ذكي لإعلامي أمريكي كان ضيفاً على قناة الجزيرة، عندما بادره المذيع بسؤال مباشر بعد نهاية الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية الإيرانية في باكستان: ماذا قرأت من هذه الجولة؟ جاءت الإجابة مختصرة لكنها لافتة: "ما كنت معهم بالغرفة لأعرف نتائج اجتماعهم".
جملة تحمل معنى أعمق في عالم التحليل الإعلامي
هذه الجملة التي قد تبدو عادية في البداية، تحمل في الحقيقة معنى أعمق، وهي مقتبسة بشكل أو بآخر من المسرحية السياسية الشهيرة "هاملتون". هذا الرد يلخص جانباً مهماً مما حدث إعلامياً خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بما يتعلق بالتحليل السياسي على القنوات الفضائية.
لاحظت أنه للأسف وفي أحيان كثيرة، اندفع المحللون لبناء تصورات غير واقعية، وبعضها اعتمد على تسريبات أو مصادر غير معلنة. الحديث عن دور الفضائيات والإعلام المرئي تحديداً إبان هذه الأزمة المستمرة، يتيح لنا تناول المقارنة بين قناتي الجزيرة والعربية وتغطياتهما منذ بداية الحرب حتى وقتنا الحاضر.
مقارنة بين أداء قناتي الجزيرة والعربية في التغطية الإعلامية
الجزيرة كانت حاضرة ميدانياً، مع نقل مباشر ومتواصل من طهران وجنوب لبنان وإسرائيل. هذا الحضور يمنح القناة أفضلية في القرب من الحدث، لكنه في الوقت نفسه تحوّل إلى مشهد متكرر، بذات الزاوية البصرية تقريباً. اللقطة نفسها تتكرر، والصورة ذاتها تُعاد، ما خلق نوعاً من الرتابة لدى المشاهد.
التنويع كان متوقعاً، سواء في عمق التقارير أو في تغيير زوايا التناول، ولكن لم يحدث. كما لوحظ تكرار عدد من المحللين أنفسهم في أكثر من برنامج، وهو ما انعكس على المحتوى، حيث بدت بعض المداخلات امتداداً لما قيل سابقاً، دون إضافة واضحة.
مع هذا التكرار، برز اتجاه في الطرح يميل إلى إبراز الرواية الإيرانية بشكل أوضح، سواء عبر طبيعة الأسئلة أو اختيار الضيوف، وهو ما يعطي انطباعاً بوجود ميل في زاوية التغطية، وعدم الحيادية بصورة واضحة وملموسة.
النهج المختلف لقناة العربية في معالجة الأزمة
في المقابل، اتجهت العربية إلى بناء مختلف في المضمون، حيث كان التركيز منصباً على تداعيات الحدث على المنطقة، خصوصاً دول الخليج، وهذا أمر طبيعي. مع التركيز الواضح على الجانب الأمني والاقتصادي، وهذا الطرح هو الأقرب لاهتمام المشاهد، وأكثر ارتباطاً بواقعه.
تنويع الضيوف منح النقاش مساحة أوسع، مقارنة بالتكرار الملحوظ في قنوات أخرى. لكن في بعض البرامج الحوارية، ارتفع مستوى الجدل بين الضيوف بشكل لافت، ووصل أحياناً إلى حد خروج الحوار عن إطاره المهني.
مشهد ارتفاع الأصوات، خصوصاً في إحدى الحلقات التي جمعت ضيفين من الكويت والعراق، أعاد إلى الذاكرة نمط برامج الصدام المباشر، وهو ما لا يتسق مع السياسة الهادئة التي عُرفت بها القناة.
الإعلام العربي والاعتماد على المصادر الخارجية
مع تكرار الحديث عن القنوات العربية، لا يمكن تجاهل أن جزءاً من الإعلام العربي لا يزال يعتمد على ما يُبث في القنوات الأمريكية والأوروبية، ثم يُعاد تقديمه بصياغة محلية. هذا الأسلوب لا يُعد مشكلة بحد ذاته، لكنه يطرح سؤالاً حول القدرة على إنتاج رواية مستقلة، تنطلق من فهم محلي، لا من إعادة نقل خارجي.
الطريف أن الأزمات السياسية والحروب خصوصاً تمثل فرصة ذهبية للقنوات الإخبارية وتجدد نشاطها بعد البيات الشتوي الذي تعيشه في أوقات كبيرة. لأن الأزمات فرصة ترتفع فيها نسب المشاهدة، ويبرز فيها المذيع، وتزداد فيها قيمة الوقت الإعلاني.
مع تقديرات تشير إلى نمو الإنفاق الإعلاني خلال مثل هذه الفترات بنسب تتراوح بين 20% و40%، تصبح الأزمات فرصة اقتصادية وإعلامية في آن واحد.
الدرس الإعلامي من جملة ضيف الجزيرة
الدرس الإعلامي من جملة ضيف الجزيرة لم يكن مجرد رد على سؤال، بل إن المحلل السياسي ليس مجبوراً أن يتحدث بما لا يعلم، ولابد له من احترام المشاهد. وهذا نفتقده كثيراً عند بعض المحللين الفضائيين العرب الذين يؤلفون القصص، وبعضهم قد يكون نقطة تمرير لرسائل استخباراتية بعيداً عن المصداقية الإعلامية.
لذلك وبصورة عامة، ولكي نكون صادقين دائماً، أنصحك إذا لم تعرف إجابة أو وجدت صعوبة في تفسير أو تحليل أي مشكلة تواجهك، رد فقط بجملة "ما كنت معهم بالغرفة"! هذه الجملة البسيطة تحمل في طياتها فلسفة إعلامية عميقة حول أهمية الصدق والشفافية في التحليل السياسي.
الأزمات الإعلامية تبرز أهمية المصداقية والموضوعية في التغطية الإخبارية، وتظهر الفروقات بين القنوات في معالجتها للأحداث. المشاهد العربي أصبح أكثر وعياً وتمييزاً بين التغطية المهنية والتغطية المتحيزة، وهذا ما يجب أن تدركه جميع المؤسسات الإعلامية في المنطقة.



