تحذيرات صارخة: العالم على بُعد أزمة واحدة من الهاوية النووية
في تحليل مقلق ينذر بمستقبل مظلم للأمن الدولي، حذر الكاتب ديفيد بلير في صحيفة "التلغراف" البريطانية من أن العالم بات على بُعد "أزمة واحدة فقط" من نقطة اللاعودة النووية. وأكد أن الاستقرار الاستراتيجي الذي ساد لعقود طويلة يواجه حالة من التآكل المتسارع وغير المسبوقة، مما يهدد بانهيار النظام العالمي المانع للكوارث النووية.
تبدل خارطة الخطر: من الدول المارقة إلى القوى المستقرة
يرى بلير في مقاله الذي رصدته "إيلاف"، أن التهديد النووي الأكبر لم يعد محصوراً في ما كان يُصنف سابقاً بـ"الدول المارقة"، بل انتقل بشكل خطير إلى قلب الدول المستقرة في أوروبا وآسيا. هذه الدول، التي كانت لسنوات طويلة من الموقّعين الملتزمين بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، تجد نفسها اليوم في مواجهة تهديدات وجودية تدفعها لإعادة النظر جذرياً في خياراتها الدفاعية واستراتيجياتها الأمنية.
الأطماع الروسية والقفزة النووية الصينية: مصدر التهديد المزدوج
وحدد المقال مصدر التهديد الرئيسي في قارتين متمايزتين:
- في أوروبا: تمثل روسيا الخطر الداهم والأكثر إلحاحاً، حيث تخوض أعنف حرب في القارة منذ أكثر من ثمانين عاماً لتدمير أوكرانيا، متجاوزة كافة الخطوط الحمراء التقليدية والدولية.
- في آسيا: يبرز التنين الصيني بقيادة شي جين بينغ، حيث ضاعفت بكين مخزونها النووي من 300 رأس حربي في عام 2020 إلى 600 رأس على الأقل في عام 2025، مع توقعات متشائمة بوصول الترسانة النووية الصينية إلى 1500 رأس حربي بحلول عام 2035.
انهيار "صمامات الأمان": معاهدات نزع السلاح تتهاوى
ويشير بلير بمرارة واضحة إلى أن النظام المعقد والدقيق الذي صُمم بعناية فائقة لمنع الكوارث النووية "ينهار" فعلياً على الأرض؛ حيث سمحت واشنطن وموسكو لجميع معاهدات نزع السلاح البارزة بالانتهاء أو الانهيار دون وضع بدائل حقيقية أو اتفاقيات جديدة. وزاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من قتامة المشهد وخطورته بعد غزو أوكرانيا عام 2022، باتخاذه خطوة خطيرة نحو "الهاوية" تمثلت في تعليق ترتيبات الاستقرار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية.
تلاشي الردع التقليدي والبحث عن بدائل نووية
ويخلص المقال إلى نتيجة مقلقة مفادها أن إجراءات الحد من المخاطر النووية قد تلاشت تماماً، مما خلق "فراغاً أمنياً" كبيراً وخطيراً دفع دولاً أخرى لم تكن تفكر مطلقاً في السلاح النووي إلى التفكير جدياً وبعمق في بناء ترسانات نووية خاصة بها كضمانة وحيدة للبقاء في عالم يزداد اضطراباً. هذا التحول الجذري يعني أن العالم لم يعد يواجه خطر حرب نووية بالخطأ أو سوء تقدير فحسب، بل يواقع خطراً أكبر يتمثل في انهيار المنظومة الأخلاقية والقانونية الدولية التي منعت استخدام هذه الأسلحة الفتاكة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
قلق متزايد في دوائر صنع القرار الغربية
ويرى مراقبون وخبراء دوليون أن تحذيرات "التلغراف" البريطانية تعكس قلقاً متزايداً وحقيقياً في دوائر صنع القرار الغربية من أن "قواعد اللعبة" الاستراتيجية قد تغيرت للأبد، وأن العودة إلى عهد "نزع السلاح" وبناء الثقة قد تكون أصبحت ضرباً من الخيال والمستحيل في ظل الصراعات والتنافسات الراهنة التي تشهدها الساحة الدولية. ويؤكد التحليل أن العالم يقف عند مفترق طرق حاسم، حيث تتطلب المواجهة مع هذه التحديات النووية إجراءات عاجلة وجريئة لإنقاذ النظام الدولي من الانهيار التام.



