واحد وعشرون عامًا على اغتيال رفيق الحريري: سِنّ البلوغ الذي تحوّل إلى سِنّ السقوط
في كثير من البلدان، يُمثّل سِنّ الحادية والعشرين لحظة البلوغ السياسي؛ اللحظة التي يتمتع فيها الفرد بكامل الأهلية، فيصبح مسؤولًا عن خياراته، وقادرًا على الاقتراع والمحاسبة والمشاركة في صياغة المصير العام. هو سِنّ النضج، لا الوصاية. لكن في لبنان، كانت السنوات الإحدى والعشرون الماضية منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بمثابة رحلة مغايرة تمامًا: لم تهدف آنذاك إلى تحقيق البلوغ، بل كانت عبارة عن مسار تُوِّج بالانهيار.
انهيار نظامٍ سياسيّ سمح للقتلة بالتسلّل
انهيار نظامٍ سياسيّ سمح لقتلة الحريري بأن يتسلّلوا إلى الدولة، ثم يستقرّوا فيها، ثم يعيدوا تشكيلها على صورتهم. في 14 شباط/فبراير 2005، لم يُغتل رجلٌ فقط، بل اغتيلت فرصة. فرصة استحداث مشروع دولة في لبنان يكون قادرًا على تفكيك منطق الميليشيا وكسره، وإعادة ربط أوصال البلد بمحيطه العربي والدولي من بوابة الاقتصاد لا من بوابة السلاح. لقد كان اغتيال الحريري إعلانًا صريحًا بأن من يملك السلاح يملك حق النقض على المستقبل.
المفارقة المؤلمة أنّ النظام الذي خرجت الجماهير للدفاع عنه في ساحة الشهداء، تحت شعار الاستقلال والسيادة، هو نفسه الذي أثبت خلال العقدين الماضيين عجزه البنيوي عن حماية نفسه من الاختراق. لم يسقط لبنان دفعة واحدة، بل سقط بالتقسيط المريح. سقط حين وافق أن يتحوّل السلاح من "استثناء مؤقت" إلى "ثابتة دستورية غير مُدوَّنة". كما سقط حين تَفَوَّق منطق "التسوية" على منطق العدالة؛ وسقط حين أصبح يُطرح سؤال: كيف نتعايش مع السلاح؟ بدلًا من: كيف نُنهي ظاهرة السلاح خارج الدولة؟
انخراط القتلة في الدولة: عملية مُمَنهجة
إن انخراط القتلة في الدولة هو عملية سياسية مُمَنهجة، لا حادثًا عابرًا. من لحظة صدور الاتهام حتى لحظة تعطيل المحكمة، ومن لحظة إسقاط الحكومات حتى لحظة فرض الرؤساء، كانت المعادلة واحدة: مَن يملك فائض القوة يحظى بفائض السياسة. وهكذا، بدلًا من أن يكون اغتيال الحريري نقطة تأسيس لعدالة انتقالية تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة، تحوّل إلى لحظة تأسيس لمرحلة جديدة من الإفلات من العقاب.
لكن المسؤولية لا تقع على السلاح وحده. المسؤولية تقع أيضًا على عاتق الطبقة السياسية التي رفعت لواء السيادة نهارًا، وذهبت ليلًا إلى عقد الصفقات مع السلاح ذاته. أحزابٌ قدّمت نفسها حاميةً للدستور، ثم برّرت التسويات باسم "الأمر الواقع". قياداتٌ خاطبت جمهورها بلغة المواجهة، ثم جلست إلى طاولة المحاصصة لتتقاسم الدولة مع مَن عطّلها. تحالفاتٌ وُلِدت من رحم الانتفاضات الشعبية، ثم انتهت إلى تفاهمات باردة عنوانها البقاء في السلطة، لا استعادة الدولة. لقد تحوّلت السيادة إلى شعار انتخابي، لا إلى برنامج حوكمة.
تطبيع وجود السلاح: الوجه الآخر للجريمة
لطالما أُجِّل الحديث عن نزع السلاح حتى تحين "الظروف المناسبة"، وكأنّ انهيار الاقتصاد، وانفجار المرفأ، وهجرة الشباب، ليست ظروفًا كافية لإعلان فشل النموذج القائم. واحد وعشرون عامًا على اغتيال رفيق الحريري، والسؤال لم يعد مَن اغتاله سياسيًا فقط، بل من سَمح بعد اغتياله باستدامة المسار نفسه. مَن قَبِل أن تُدار الدولة بمنطق التوازن مع الميليشيا لا بمنطق احتكارها للعنف الشرعي. مَن رضي بأن تكون الحكومة مساحة تفاوض بين مشروع دولة ومشروع دويلة.
إن أخطر ما حدث خلال هذه السنوات ليس فقط تغوّل السلاح، بل تطبيع وجوده. أن يصبح الاعتراض عليه "مغامرة"، وأن تصبح المطالبة بحصر القرار العسكري بالدولة "ترفًا سياديًا". هذا التطبيع هو الوجه الآخر للجريمة الأصلية، لأنه يُحوّل الاستثناء إلى قاعدة، ويُحوّل الخوف إلى سياسة عامة. وإذا كان يُفترض أن يكون سِنّ الحادية والعشرين هو سنّ المحاسبة، فإن لبنان لم يُحاسِب أحدًا. لا مَن خطّط، ولا مَن نفّذ، ولا مَن سَهّل، ولا مَن ساوَم. عوضًا عن المحاسبة، شاهدنا إعادة تدوير للسلطة. وبدل التأسيس لعقد سياسي جديد، شاهدنا إعادة إنتاج للمنظومة نفسها، بوجوهٍ مختلفة وخطابٍ مُحدَّث، لكن بالعقلية عينها.
الحريري: فكرة "لبنان دولة طبيعية"
الحريري، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع سياساته، كان يُجسّد فكرة "لبنان دولة طبيعية"، لا ساحةً لتمرير رسائل. إلا أن اغتياله كان رسالة واضحة بأن هذا الخيار غير مسموح. أما ما تلا الاغتيال، فكان رسالة أكثر وضوحًا: أن النظام مستعدّ للتكيّف مع القاتل بدل مواجهته. اليوم، بعد واحد وعشرين عامًا، لم يعد يكفي استذكار الرجل أو إعادة بثّ خطاباته أو الوقوف دقيقة صمت تكريمًا لروحه. إحياء الذكرى فعليًا يكون في إعادة طرح السؤال الجذري: هل نريد دولة تحتكر قرار الحرب والسلم، أم نريد كيانًا هشًّا يعيش على توازنات السلاح واقتصادًا ريعيًا يراهن على الإقليم ويمتهن النظام البونزي؟
إن سِنّ البلوغ السياسي لا يتحقّق بالعمر الزمني، بل بقرار جماعي بالتحرّر من الوصاية. ولبنان، بعد واحد وعشرين عامًا، ما زال قاصرًا سياسيًا، لأنه لم يجرؤ على مواجهة الحقيقة: لا سيادة في ظل وجود سلاح خارج الدولة، ولا عدالة مع تسويات تعلو على العدالة، ولا استقرار في كنف منظومة ترى في الدولة مجرّد غنيمة. ربما آن الأوان لتحويل الذكرى من مناسبة تأبينية إلى وقفة إعادة نظر وتقييم. ليس فقط لجهة مَن فجّر العبوة، بل بالنسبة لمن وفّر الغطاء، ولمن فضّل عقد الصفقة على المواجهة، ولمن اختبأ خلف شعار السيادة فيما كان يفاوض على حصته في دولة تتآكل.
واحد وعشرون عامًا ليست رحلة بلوغ، بل اختبار فشل طويل الأمد. والسؤال اليوم الذي يطرح نفسه لا يقتصر على كيفية إحياء الذكرى، بل يتمحور حول كيفية إنهاء المرحلة التي بدأت يوم اغتيل رفيق الحريري، وبدأ معها سقوط نظامٍ اختار أن يعيش مع قاتليه بدل أن يواجههم.