الاشتباك المنضبط: إدارة الجولة الجديدة بين واشنطن وطهران في ظل حسابات إقليمية معقدة
الاشتباك المنضبط: إدارة الجولة الجديدة بين واشنطن وطهران

الاشتباك المنضبط: هندسة الجولة الجديدة بين واشنطن وطهران في سياق إقليمي متشابك

لم تنته محادثات مسقط مع مغادرة الوفدين الإيراني والأمريكي القاعة في السادس من فبراير الماضي، بل انتهت المرحلة الصامتة من اختبار الإرادات، بينما استمر المسار نفسه. فما جرى في مسقط لم يكن مجرد تفاوض تقني حول نسب التخصيب النووي وأجهزة الطرد المركزي، بل كان قياساً دقيقاً لحدود القرار في واشنطن وحدود الاحتمال في طهران، في مشهد يتجاوز غرفة الاجتماعات إلى أبعاد إستراتيجية أوسع.

خلفية المشهد: عناصر متداخلة في لوحة الصراع

في الخلفية، كان المشهد أكبر من غرفة الاجتماعات، حيث شمل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، وتصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب المزدوجة بين الدبلوماسية والتهديد، ورسائل عسكرية أمريكية متحركة في المنطقة، وتصريحات إيرانية حريصة على تثبيت أن التفاوض محصور في الملف النووي فقط. كل عنصر من هذه العناصر لم يكن حدثاً منفصلاً، بل قطعة في لوحة واحدة عنوانها: من يفرض تعريف الجولة القادمة؟

الجولة القادمة لن تكون استمراراً آلياً لما سبق، بل هي لحظة إعادة تموضع. واشنطن لا تريد حرباً واسعة، لكنها لا تريد أيضاً العودة إلى اتفاق يبدو في الداخل الأمريكي وكأنه تنازل. طهران لا تريد مواجهة شاملة، لكنها ترفض توسيع سلة التفاوض لتشمل صواريخها ونفوذها الإقليمي. أما إسرائيل فتسعى إلى منع تثبيت أي معادلة ترى فيها تهديداً طويل الأمد، حتى لو اضطرت إلى التحرك منفردة.

السؤال الحقيقي: شكل الاشتباك المنضبط

لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سيتوصل الطرفان إلى اتفاق؟ السؤال الأدق هو: أي شكل من الاشتباك المنضبط سيحكم المرحلة القادمة؟ واشنطن تجد نفسها بين مسارين متوازيين: مسار إيراني يسعى إلى حصر التفاوض وتثبيت قواعده، ومسار إسرائيلي يسعى إلى توسيعه ورفع سقفه. منشور ترمب بعد اللقاء مع نتنياهو عكس هذا التوازن الحذر، مما يوحي بأن الإدارة الأمريكية لا تريد كسر المسار لكنها لا تريد أيضاً أن تبدو متساهلة، لذلك يجري اعتماد معادلة مزدوجة: تفاوض مستمر، وضغط قائم.

حسابات أعمق: هندسة إستراتيجية عالمية

غير أن ما يجري أعمق من توازن تكتيكي بين ضغوط وتصريحات. فالإدارة الأمريكية تدير الملف الإيراني ضمن هندسة أوسع تتعلق بإعادة ترتيب أولوياتها الإستراتيجية عالمياً. هي لا تريد جبهة استنزاف جديدة في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع السماح بتآكل صورة الردع الأمريكي. من هنا يصبح التهديد العسكري أداة ضبط إيقاع لا قراراً بالحرب، ويصبح التفاوض وسيلة لتثبيت توازن منخفض الكلفة لا لصناعة اختراق تاريخي.

في المقابل، تتحرك طهران وفق معادلة الصبر المركب. فهي تدرك أن امتلاك القدرة شيء واستخدامها شيء آخر. لذلك تحاول أن تفصل بين تطوير عناصر قوتها وبين الذهاب إلى مواجهة مباشرة. خطابها الهادئ ليس مؤشراً على استعجال تسوية، بل على محاولة إدارة الوقت كعنصر قوة. كلما طال أمد التفاوض من دون انفجار، زادت احتمالات تثبيت معادلة ردع تمنحها اعترافاً غير مباشر بحدود نفوذها.

التوازن الهش: دور إسرائيل المؤثر

التوازن يبدو هشاً؛ لأن إسرائيل، وإن لم تكن طرفاً مباشراً على الطاولة، تملك القدرة على التأثير في الإيقاع. التلميح بالحفاظ على حرية التحرك ضد إيران، ولو منفرداً، هو تذكير بأن المسار الدبلوماسي يجري تحت سقف أمني متحرك. وأي خطأ في الحسابات قد يحول الضغط المتبادل إلى احتكاك مباشر، كما يتضح من تحركات المقاتلات الأمريكية من حاملات الطائرات مثل يو إس إس إبراهام لينكولن.

تقاطع الحسابات الثلاثة: أهداف متباينة

هنا تتقاطع الحسابات الثلاثة: واشنطن تريد اتفاقاً يمنع التصعيد من دون أن يقيد حركتها مستقبلاً، طهران تريد اتفاقاً يخفف الضغط من دون أن يمس بنيتها الإستراتيجية، وإسرائيل تريد ضمانة دائمة لا تبدو واشنطن مستعدة لمنحها بالكامل. هذا التباين لا يعني استحالة التفاهم، لكنه يعني أن أي صيغة مقبلة ستكون نتاج توازن دقيق لا يسمح بانتصار كامل لأي طرف.

ما ينتظر الجولة القادمة: شد محسوب ومراوحة مدروسة

ما ينتظر الجولة القادمة إذن ليس انفراجاً كبيراً ولا انهياراً فورياً. هو مرحلة شد محسوب، تحاول فيها كل عاصمة أن تختبر حدود الأخرى من دون أن تدفع الأمور إلى نقطة اللاعودة. اتفاق مرحلي يجمّد التصعيد يبقى احتمالاً قائماً، كما تبقى المراوحة المدروسة خياراً واقعياً، حيث يستمر التفاوض ببطء فيما تتواصل أدوات الضغط.

المعركة الفعلية: شكل النظام الردعي

المعركة الفعلية في المرحلة القادمة لن تكون حول بند تقني، بل حول شكل النظام الردعي الذي سيتحكم بالعلاقة بين الطرفين لسنوات. فإذا نجحت العاصمتان في تثبيت توازن بارد، ستدخل المنطقة مرحلة استقرار هش قابل للإدارة. أما إذا اختل هذا التوازن، فإن أي حادث محدود قد يتحول إلى اختبار قوة واسع يعيد رسم خطوط الاشتباك بالكامل.

بين هذين المسارين تتحرك الجولة الجديدة: لا سلام كامل، ولا حرب شاملة، بل إدارة دقيقة لصراع يعرف أصحابه أن الخطأ فيه لا يُصحح بسهولة. هذا الاشتباك المنضبط يعكس تعقيدات العلاقات الدولية في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتداخل المصالح والتهديدات في لعبة دبلوماسية وعسكرية محفوفة بالمخاطر.