لبنان في مهبّ العاصفة: استثناء خطير من التسويات الإقليمية في عالم متعدد الأقطاب
يعود العالم إلى حاله في القرن التاسع عشر، حيث يصير السلام والقانون الدولي موضة قديمة، بينما تنهار العولمة والنظام الدولي، ليبزغ محلهما عالم متعدد القطب. في هذا السياق، تندفع الولايات المتحدة لتفادي عيوبها وتفكك العولمة التي أسستها، وتشهر فائض قوتها الغليظة للسيطرة على الشرق الأوسط، بهدف ضمان الموارد وطرق الملاحة والنقل. مع تحول عالمنا إلى متعدد الرأس، تحتدم حول الإقليم حروب الأقطاب الدولية، مما يزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي.
فشل القوة الفيزيائية وتداعياته على الشرق الأوسط
ما أظهرته حرب التحالف الأميركي - الإسرائيلي من قصور للقوة الفيزيائية وفشلها في تغيير السياق الاستراتيجي، سيشجع القوى التي لا تناسبها التسليم بـ"سلام أميركي" في الشرق الأوسط. بالنسبة إلى الأقطاب المنافسة لأميركا، ما عاد يمكن أن تجد في إسرائيل حليفاً بل مجرد مخلب في خاصرة الصراع الدولي. مع توجه المنافسين لإنتاج تحالفات جديدة في الإقليم، تحاول أوروبا إعادة تعريف موقعها في العالم والإقليم، رغم انكفائها لتشحن رصيدها في تقسيم العمل الدولي.
تسارع أزمة الطاقة والملاحة والسيولة عجل في مراجعة أوروبا لتموضعها في الشرق الأوسط، بينما تصبر الصين وتصفق، لتنتظر أوروبا على ناصية الشرق الأوسط. وفيما تجحف إسرائيل إفراطاً وتسييداً، تبدو أنها ليست بحاجة إلا إلى سلام بتكسير الرؤوس، لتحكم على نفسها أن تبقى على أسنّة الحراب، ولتصبح أكثر فأكثر رهينة محتومة لتقلبات المناخ الأميركي.
المقاومة الإقليمية والتنافس التركي - الإسرائيلي
ليس ثمة شك في أن القوى الإقليمية ستقاوم هذا الصلف الإسرائيلي، ليصبح التنافس التركي - الإسرائيلي هو العقدة الإقليمية المركزية المرشحة لتكون المحور الرئيسي للصراع الإقليمي. تجد تركيا مصلحة في تطوير علاقاتها بإيران والعديد من الدول العربية، لذلك مرجح أن تراجع تركيا اصطفافات ما بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصاً مع تداعي المنظومة الاقتصادية الدولية – بريتون وودز – وتشقق حلف شمال الأطلسي.
في هذا السياق، يعاني لبنان من نقاط ضعف بنيوية تجعله مكشوفاً وحساساً بشكل خطير حيال هذا الاستقطاب الإقليمي والدولي. فبعد وقف النار، ما يُترك غامضاً في الحروب الإقليمية، تفضحه الساحة اللبنانية ليتحول فراغ النص إلى لهب على الأرض، إذ ليس أخطر على لبنان من الحرب على حدوده، إلا هدنة تُعقد من حوله، ولا تنعقد عليه.
الهدنة الناقصة وتأثيرها على لبنان
الحرب، على فداحتها، تُظهر خطوط النار. أما الهدنة الناقصة الملتبسة فهي أشد مكراً وأبعد أثراً، كونها تُرسم على مقاس الجبهات الكبرى، وتترك الهوامش معلقة في فراغ التأويل. وما يُحذف من نصوص التهدئة لا يسقط من حسابات الميدان، بل يعود إليه مضاعفاً؛ وما يُترك غامضاً في التفاهمات بين الكبار، تدفع ثمنه الساحات الجانبية من فرض تعريفها الخاص للأمن والسيادة.
بذلك يوضع لبنان في منزلة العالق في صراع لا يملك تقرير بداياته، ولا تشمله تسوياتها. إنها حقيقة سياسية ذات تكلفة باهظة. ففي إقليم تدار أزماته بالتقسيط، كثيراً ما تُطفأ الحرائق الكبرى بإزاحة الجمر إلى الأطراف. ولبنان، بحكم موقعه وتكوينه، لطالما أزيحت الحرائق إليه.
الأسباب الجذرية: الاقتصاد الريعي والنظام السياسي
بغض النظر عن الأسباب التي لا تبلغ جوهر العلة، نستطيع القول إن العامل الحاسم ليس الجغرافيا، بل يكمن في نموذج الاقتصاد الريعي المحسوبي والتقاسم الفاسد داخل الكيان السياسي اللبناني. لتنتج من ذلك دولة معترف بها، نعم، لكنها غير قادرة على إنفاذ قرارها السيادي، لتتكاثر الهشاشة وتتدخل الإرادات من شقوقها ويختلط الوطني بالإقليمي.
لا يمكن أن يبقى لبنان مجرد توازن دقيق رقيق بين جماعات متجاورة، يربطها اسم لبنان ويفرقها الخوف والشك، فيما يفشل النظام السياسي وتفشل النخب السياسية حتماً في حسمها. في أوقات السلم، منح هذا الترتيب لبنان حيوية نادرة، لكن هيهات! فلقد حمّله أيضاً قابلية بنيوية للعطب كلما تبدلت موازين الإقليم، وتشابكت المرجعيات، ليصير، بعد كل عاصفة، رهينة العاصفة المقبلة.
غياب لبنان عن وقف النار: لبّ المسألة
غياب لبنان عن وقف النار ليس مسألة فنية أو لغوية، بل هو لب المسألة كلها. فحين يشتد الخلاف يوكل الفصل بين القراءات للميدان، وتتولى القوة تعريف الصراع على طريقتها. أمام "حزب الله" معادلة شديدة الوعورة، ليمضي إما نحو القبول بالإنكفاء السياسي وإما الانتحار في الخنادق.
عندئذٍ، لا يعود الانفجار رهناً بقرار استراتيجي كبير، بل يكفيه أن يسيء كل طرف تقدير حدود الممكن. وبذلك أيضاً، يتحول لبنان من ساحة مواجهة إلى ساحة استخدام. وهنا يكمن خطر "استثنائه" من أي تسوية إقليمية، ليصير عملياً فندقاً للحروب الصغيرة، تختاره القوى الكبرى للانتقال من تهدئة جزئية إلى أخرى، بدل منطق التسوية المتكاملة.
التأثيرات المضاعفة على لبنان
وحين تضطرب الملاحة، أو تهتز أسواق الطاقة، أو تتغير أولويات أوروبا والصين والخليج، يتلقى لبنان الأثر مضاعفاً. فكيف نحميه في ظل اقتصاد واهن، ومجتمع مستنزف بالهجرة والنزوح، ودولته تداري المخاطر من دون أن تملك الوسائل، فتصبح النجاة شأناً فردياً أو فئوياً، وتتحول الجماعات إلى ملاجئ نفسية ومادية في آن واحد؟
أترك الإجابة عن ذلك لشباب لبنان الوطني؛ إذ لا يزال لبنان يحتفظ بقدر هائل من الحيوية التاريخية، تُفرمل الانهيار وتفتح المجال للتعقل. لكن ذلك لا يصير ممكناً إلا بإعادة تعريف موقع لبنان من أي سلام إقليمي، ليخرج لبنان من حال الخلاص المؤجل.
البلاغة المخفية وعيوب الواقع
فما أضرّ بلبنان، لم يكن قلة التعاطف معه، بل كثرة البلاغة حوله، بما يخفي عيوب الواقع. فالدولة التي لا تُحصن قواعدها، تصير فرادتها مجرد عجز مزمن. وأخطر ما قد يواجهه لبنان في هذه اللحظة ليست الحرب وحدها، بل الفراغ المنظم بين الحرب والهدنة، بحيث تضيع الحدود، وتلتبس النيات، وتتبدل الحسابات، ويصبح البلد كله عرضةً لأن يبقى صمام ضغط للإقليم، وساحة لتصحيح الرسائل، ومستودعاً لفائض العنف الذي لا يجد له مخرجاً في الجبهات الكبرى.
عندئذٍ لا يعود السؤال "هل تأثر لبنان بما يجري؟"، بل "إلى أي حد تُرك وحيداً ليحمل أثر ما جرى؟". وإذا كان لا بد من هدنة في هذا الإقليم، فأسوأ الهدن هي تلك التي تريح الجبهات الكبرى وتترك لبنان في مهبّها.
لبنان: مرآة لعطب المشرق الأوسطي
نهاية الأمر، ليس لبنان ساحةً تطمر فيها نفايات الصراعات، بل مرآة دقيقة لعطب المشرق الأوسطي بأسره: دول ناقصة السيادة، وتسويات ناقصة التنفيذ، وحروب تتبدل أسماؤها فيما تبقى عللها واحدة: الدولة الوطنية والسلام الإقليمي. هذا المقال يسلط الضوء على التحديات التي تواجه لبنان في عالم متغير، ويؤكد على ضرورة إعادة تعريف دوره في أي تسوية إقليمية لضمان مستقبل أكثر استقراراً.



