حين تحلق الطائرات فوق أجواء الميقات، يدثّر الحاج جسده بقطعتين من قماش أبيض خالص لا جيوب فيهما ولا خيوط؛ لتتساوى الأنفس كلها مع ملايين الأنفس التي أقبلت من فجاج الأرض العميقة، حيث يرتفع دوي وهدير التلبية والتكبير حتى تحط قوافل الحجيج في مطارات المملكة، لتبدأ المواجهة الأولى مع الهندسة السعودية لإدارة الحشود.
يظن المرء استناداً إلى المنطق اللوجستي التقليدي ونظريات الإدارة البشرية المعاصرة، أن استقبال أكثر من 1.7 مليون إنسان في تتابع زمني ضيّق عبر بوابات جغرافية محددة سينتج عنه حتماً ارتباك وطوابير لا أول لها ولا آخر، وشلل ينال الأبدان والأنفس، لكن الواقع الميداني كان أشبه بانسياب الضوء الساري في صالات الحج؛ إذ تستقبل القادمين وجوهٌ شابة ممتلئة بالبشر والسرور من أبناء وبنات المملكة، يرتدون سترات وزارة الحج والعمرة، لتسير المنظومة الإلكترونية الخارقة للعادة بمسح البيانات عبر بطاقة «نسك» الذكية المربوطة على الصدور، وتوجيه الحجيج في ثوانٍ معدودة نحو مسارات النقل الذكي المطورة.
انطلقت الحافلات الحديثة متهاديةً على طرق فسيحة وشرايين مرورية عريضة صُممت وهُيئت على مدار عقود لتتحمل الجموع القادمة للحج. وتوجد على طول الطرقات والمسارات المبردات، التي تضخ الهواء المنعش لتخفيف الحرارة وتلطيف الجو، وبترحيب فائق من وطن سخّر كل طاقاته وإمكاناته السيادية لخدمة ضيوف الرحمن.
وهنا، وفي قلب هذا الزحف البشري الطاهر والمهيب، بدأت رحلتي الشخصية وانصهرت مشاعري مع هذا النهر الأبيض؛ فحينما ولجتُ المسجد الحرام لأداء طواف القدوم، هابني الجلال المطلق وأنا أقف أمام سيل بشري عارم يموج حول الكعبة المشرفة في حركات دائرية تأخذ الأنفاس، ورغم الكثافة الهائلة والأعداد الكبيرة التي تملأ الصحن دون أي تدافع عنيف أو ضيق يفسد السكينة.
ووراء هذه الطمأنينة كانت تقف حقيقة تنظيمية وقانونية بالغة الصرامة والعدالة؛ قد برزت في منافذ مكة ومداخل المشاعر تحت شعار «لا حج بدون تصريح»، الذي طبقته وزارة الداخلية والجهات الأمنية بصرامة وحزم لا يلين. ولم تكن هذه الصرامة مجرد إجراءات تنظيمية بل كانت صمام الأمان والخط الدفاعي الأول لحماية الحجاج النظاميين من كوارث محققة قد يسببها افتراش المخالفين وتسللهم دون غطاء لوجستي أو طبي.
لقد حققت عملية منع المخالفين حماية المسارات ومنظومة الإعاشة والصحة من الاختناق العشوائي والفوضى التي كان سيحدثها المخالفون، وأثمرت في حفظ الأرواح كرامتها وأمنها، وخلف هذا التنظيم الباهر والهدوء العجيب رجال الأمن الأشاوس، الذين يقفون منارات ثابتة صامدة وسط الأمواج البشرية، يوجهون المسارات بمرونة فائقة بالاعتماد على خطط فرز مدروسة، ويفتحون منافذ الطوارئ، ويوزعون الكتل البشرية بأيدٍ حانية رفيقة لم تفقد حزمها التنظيمي قط، بل كانت تبث الأمان في النفوس، لينهي الحاج طوافه وسعيه وهو يشعر بالارتياح مستنداً إلى جدار رعاية بالغة الإتقان والذكاء، يجمع بين صرامة التنظيم وعاطفة الخدمة.
ومع تباشير شمس الثامن من ذي الحجة، التي ظهرت على تلال مكة وجبالها الشامخة معلنة انطلاق يوم التروية العظيم، بدأ الزحف المليوني نحو مشعر منى الذي بدا لي من نافذة المركبة أعجوبة من أعاجيب الهندسة والعمارة الحديثة؛ وادٍ ضيق تحول بفضل التخطيط والريادة السعودية المستمرة إلى أكبر مدينة خيام مطورة ومقاومة للحرائق والعوامل الجوية القاسية في العالم، تمتد بيضاء ناصعة كالغمام على مد البصر في مربعات مجهزة وشبكات طرق متداخلة خاضعة لهندسة جغرافية شديدة الإحكام والاتساع.
وعند دخولي الخيمة المخصصة لي وسط تلك المساحات اللامتناهية، تملكني شعور غريب وعميق، أن الحجاج هنا في هذا المشعر يعيشون في حضانة كبرى بالغة الدلال والرعاية، حيث ينسى الإنسان تماماً كل ما يتعلق بتدبير شؤون الحياة اليومية وتفاصيل البقاء، فلا يفكر كيف يأكل أو ماذا يشرب أو أين ينام أو كيف يقضي حاجته، فالتنظيم جعل خدمات الإعاشة متوافرة من خلال تقديم الوجبات الساخنة المتكاملة والمياه المبردة والعصائر الطازجة، التي تملأ البرادات، في حين تعمل أجهزة التكييف المتطورة والعملاقة على تحويل الهجير اللاهب خارج الخيمة —الذي كاد يلامس حدود الخمس وأربعين درجة مئوية— إلى جو بارد يفرغ النفس من عناء الجسد ويبعث على العبادة والارتياح والذكر.
وهنا برز مشهد إنساني رفيع بمخيمات الحجاج المستضافين ضمن مكرمة خادم الحرمين الشريفين لأسر الشهداء والجرحى الأبطال وعائلاتهم يحظون برعاية خاصة في رسالة وفاء وشهامة عظيمة من المملكة، التي أحاطتهم ببلسم إنساني يداوي جراح الفقد، ويسلي نفوسهم المكلومة، وتأكيد أن الحج فريضة وعقيدة دينية وحضن حانٍ يجمع شتات الأمة ويجبر كسر قلوب أبنائها الأوفياء.
ومع فجر التاسع من ذي الحجة، اهتز وادي مِنى بنشيد التلبية الجماعي العظيم؛ لتنطلق الجموع المليونية إلى صعيد عرفات الطاهر، حيث تلاشت المسافات وتداخلت جهود اثنتين وعشرين وزارة في تنسيق تزامني مذهل، لا تشوبه الأخطاء، تتحرك فيه قوافل الحافلات الحديثة وفق مسارات ترديدية مجدولة إلكترونياً، بالتزامن المباشر مع قطار المشاعر المقدسة، الذي كان ينقل مئات الآلاف من الحجاج بسلاسة فائقة وسرعة قياسية، بينما رجال الأمن والمرور يقفون بواسل صامدين تحت سياط الشمس المباشرة الحارقة دون كلل أو ملل، يوزعون الابتسامات ويرسمون على وجوههم السمراء أبهى صور الترحيب والخدمة والامتنان لزوار بيت الله.
وفي صعيد عرفات، تقف الجموع الموقف المهيب الذي تشرئب فيه الأعناق والقلوب نحو السماء؛ طلباً للمغفرة والرحمة والقبول، والملايين تدعي وتبكي تضرعاً لله في وقت واحد بلغات مختلفة وألسنة شتى في مشهد مهيب يقشعر الأبدان، وتحت وطأة شمس الظهيرة الحارقة، كانت الرعاية السعودية حاضرة بقوة من خلال مئات الآلاف من رشاشات الرذاذ المائي المبرد المثبتة على أعمدة شاهقة في كافة الطرقات والمخيمات لتلطيف الأجواء وكسر حدة القيظ، توازيها في الحركة والميدان المستشفيات الميدانية الضخمة وسيارات الإسعاف المتطورة التابعة لوزارة الصحة، المدعومة بالكامل بتقنيات الطب الاتصالي ومستشفى صحة الافتراضي؛ لتقديم الرعاية الطبية الفورية الفائقة والتشخيص الدقيق لأي حاج يتعرض للمشقة أو الإعياء أو الإجهاد الحراري.
وما إن أعلنت الشمس مغيبها ومالت نحو الأفق توارياً خلف جبال عرفات، بدأت النفرة الكبرى والزحف الجماعي نحو مزدلفة؛ وفي هذا التدفق البشري المليوني الذي حولته الجهات السعودية المنظمة للحج إلى مسيرة انسيابية وادعة تخطف الأنفاس؛ إذ عدنا إلى قطار المشاعر والحافلات المنظمة التي تحركت في مسارات مخصصة مغلقة تخضع لرقابة صارمة لمنع التداخل أو العشوائية، حتى وصلنا إلى مشعر مزدلفة، لتلتحف الملايين السماء وتفترش الثرى الطاهر في مبيت روحي مهيب يلتقط الأنفاس، وأكياس الوجبات الغذائية المجهزة والمبردة والمياه النقيّة تُوزع بانتظام لامتناهٍ ودون انقطاع على ضيوف الرحمن في مواضع مبيتهم في مزدلفة، بينما المرافق الخدمية ودورات المياه تخضع لعمليات تنظيف وتعقيم وصيانة مستمرة لا تتوقف، ورجال الأمن يجوبون الممرات سيراً على الأقدام بين الجموع يسهرون على أمن الحجيج المستلقين تحت النجوم ويوفرون لهم الطمأنينة الكاملة والسكينة الروحية الخالصة التي تجعل المرء ينام في العراء آمناً مطمئناً كأنه في بيته.
ومع خيوط الفجر الأولى لليوم العاشر من ذي الحجة، يوم النحر الأكبر، اندفعت الجموع صوب مِنى مجدداً لرمي جمرة العقبة الكبرى، وبعد الانتهاء من أداء مناسك ذلك اليوم العظيم التقيت وكيل وزارة الإعلام السعودي الدكتور خالد الغامدي؛ هذا القائد الذي يخجل الجميع بنبل أخلاقه وتواضعه الجم، وكان كما عهدناه حريصاً على الترحيب واستقبال الضيوف بحفاوة وكرم كبير.
فحظيت بفرصة الاستضافة في مخيم وزارة الإعلام السعودي، الذي وجدته مركزاً إعلامياً يضم عشرات الإعلاميين والصحفيين الدوليين البارزين، الذين وفدوا من مختلف أصقاع العالم الإسلامي لأداء فريضة الحج وتغطية هذا الحدث المليوني العظيم ونقله للعالم. ومن رحم هذه الاستضافة الإعلامية النخبوية الراقية، ظفرت بفرصة استثنائية طالما تطلعتُ إليها وتطلع إليها كل صحفي لتوثيق كواليس الحج ومعالمه المخفية؛ إذ حظيت بشرف زيارة مركز القيادة والسيطرة وغرفة عمليات الحج، حيث العيون الساهرة تراقب سير الحج بواسطة 10,200 كاميرا، فوقفت هناك أمام العقل الرقمي المفكر والمدبر لقيادة وتنظيم الحج.
في تلك الغرفة المهيبة، رأيتُ ضباطاً وقادة ومهندسين من أبناء المملكة يديرون الموقف ويراقبون وينظمون تدفق الكتل البشرية المليونية بواسطة الخبرة التراكمية التي يملكونها، بالإضافة إلى استعمالهم أحدث خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتقنيات الرصد الذكي؛ فإذا تباطأت الحركة في مسارٍ ما أو لوحظت كثافة مرشحة للازدحام في أي نقطة ميدانية، تومض الشاشة فوراً باللون لأحمر التحذيري، وينطلق إثره أمر لاسلكي عاجل وفوري للفرق الميدانية المنتشرة على الأرض لإعادة توجيه الحشود وفتح مسارات بديلة وتفكيك الكتل قبل حدوث أي تكدس أو تدافع، وهنا يتجلى جهد وسهر رجال المملكة، الذين رأيت في عيونهم إرادة فولاذية ممزوجة بالتعب الصامت يقودها شعور عارم بالمسؤولية والأمانة لإدارة الحشود المليونية دون أن يشعر الحاج في الميدان بكل هذا التعقيد والجهد الجبار الذي يحرس خطوته ويؤمن خط مسيره.
وبعد هذه التجربة المذهلة، التي كشفت لي مستور العظمة الإدارية، تابعت رمي الجمرات طوال أيام التشريق الثلاثة؛ إذ تجسدت أمامي وبشكل ملموس عبقرية التصميم الهندسي والمعماري لجسر الجمرات الحديث ببنائه الأسطوري متعدد الأدوار ومساراته أحادية الاتجاه، وهو المشروع الذي ألغى تماماً حوادث التدافع المأساوية التي كانت تشهدها العقود الماضية إلى الأبد. وقد أصبح يدخل الحاج من مسار بانسيابية مطلقة، ويرمي ويخرج من مسار آخر دون أن يلتقي الجموع القادمة في اتجاه معاكس، ورأيتُ رجال الأمن الأبطال يقفون يلطفون الأجواء وينظمون الرمي برفق ويمدون أيديهم بكل حنو لمساعدة العجزة والنساء وكبار السن في مشهد يجسد الأخوة والمسؤولية الصادقة والإنسانية الرفيعة، التي لا يمكن لعدسة كاميرا أن تختزلها.
وانتهت أيام التشريق بسلام وأمان تام، وعادت جموع الحجيج الزاحفة إلى مكة المكرمة لتختم هذه الرحلة العظيمة بطواف الوداع، حيث وقفنا في صحن المطاف لتوديع الكعبة المشرفة والقلوب تندثر بالخشوع والعيون تفيض بدموع الفراق ورجاء القبول. لقد رأيت حجاجاً من كل لون وجنس وعرق يذرفون الدموع في الوداع، ورجال الأمن وموظفو وزارة الحج والجهات التطوعية يقفون عند بوابات الحرم الشريف يودعون المغادرين بالورود وعبارات التمنيات المصحوبة بابتسامات المودع الشفيق.
وفي تلك اللحظة المؤثرة، ومظاهر المغادرة ومشاهد الرحيل تملأ الأرجاء والآفاق، استجمعتُ فكري وتأملتُ هذه الرحلة الطويلة الممتدة بتفاصيلها العميقة ودقائقها التي عشتها؛ ما شوهد في المطارات من سرعة خاطفة، وفي منى من رعاية تشبه رعاية الحضانة، وفي عرفات من رذاذ وأمان صحي، ومبيت مزدلفة الآمن تحت النجوم، وما شهدته عيني يقيناً من إعجاز تكنولوجي وتفانٍ بشري خالص داخل غرف القيادة والسيطرة بفضل كرم الاستضافة الإعلامية النبيلة، وما تقدمه هذه الدولة من وفاء وتكريم صامت تجاه أسر الشهداء والجرحى في بلادنا تجلت لي الحقيقة الكبرى، التي تعجز أعتى نظريات الإدارة اللوجستية في إدارة الحشود بهذا الكم والنجاح في الدول العظمى في العالم ولكن المملكة كانت أهلاً لها، ونظمتها بكل جدارة وتفانٍ.
وبعد هذا النجاح الكبير لم تذهب اللجان والمؤسسات والوزارات السعودية، من داخلية وحج وصحة ونقل وغيرها إلى مخادعها لتنال قسطاً من الراحة والنوم بعد هذا المجهود البدني والعصبي الخارق الذي استمر لأيام، بل بدأت فوراً، وبلا أي تأخير أو تراخٍ، عقد اجتماعاتها الرسمية الأولى، وتباشر الترتيب الميداني الفعلي ووضع الخطط الاستراتيجية والاستعداد والتحضير لاستقبل موسم الحج في العام القادم: 1448هـ؛ ليكون هذا التخطيط الاستباقي المستمر والعمل الدؤوب المتواصل الذي لا يعرف طعم النهاية بل يتجدد وينطلق مع مغادرة آخر حاج، هو سر التميز والفرادة والنجاح المبهر الذي تحققه قيادة المملكة العربية السعودية في إدارة أعظم حشد بشري في بقعة واحدة وتوقيت واحد على وجه الأرض، لتثبت هذه الأرض الطيبة المباركة، قيادةً ورجالاً وشعباً مخلصاً، للعالَم أجمع أنهم أهل للأمانة وجديرون بشرف خدمة بيته العتيق، ليفارق الحاج أرض المملكة وهو يحمل في قلبه طمأنينة الإيمان والرضا، وفي عقله دهشة الإعجاب المطلق بهذا البلد المعطاء الشامخ بأفعاله، والكبير بإنسانيته ورعايته.



