بيروت في خضم العاصفة: الحكومة اللبنانية تواجه تداعيات الغارات الإسرائيلية العنيفة
في صباح ثقيل على العاصمة اللبنانية، استيقظت بيروت على مشهد مروع لم تشهده منذ سنوات طويلة، حيث غطت السماء بالدخان وتحولت أحياء بأكملها إلى ركام، بينما كانت سيارات الإسعاف تشق طريقها بصعوبة بين الأنقاض. بدأت الغارات الإسرائيلية بشكل متزامن وعنيف، مستهدفة مناطق متعددة من البلاد، من الجنوب إلى قلب بيروت، مما أسفر عن حصيلة مرعبة وفقاً للمديرية العامة للدفاع المدني.
حصيلة دموية وتحديات إنسانية ضخمة
أعلنت المديرية العامة للدفاع المدني أن هذه الضربات أسفرت عن مقتل أكثر من 250 شخصاً وإصابة ما يزيد على 1100 آخرين، مع توقع ارتفاع هذه الأرقام مع استمرار عمليات البحث تحت الأنقاض. في مستشفى رفيق الحريري الجامعي، عمت الفوضى المشهد، حيث عمل الأطباء والممرضون بلا توقف وسط أصوات المصابين وبكاء الأطفال. تحدثت منظمة أطباء بلا حدود عن تدفق جماعي غير مسبوق للجرحى، كثير منهم في حالات حرجة، بينما وصفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ما حدث بأنه "موت ودمار" في مناطق مكتظة بالسكان، مؤكدة حجم الكارثة الإنسانية.
استهداف مباشر للبنية التحتية والمناطق السكنية
في قلب العاصمة، استهدفت غارة عنيفة مبنى سكنياً في منطقة تلة الخياط، مما أدى إلى انهيار جزء كبير منه وتحوله إلى كومة من الركام. كما طالت غارة أخرى الضاحية الجنوبية لبيروت قبيل منتصف الليل، وهي منطقة تُعد معقلاً رئيسياً لحزب الله. أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف نحو 100 موقع وبنية تحتية عسكرية تابعة لحزب الله، واصفاً العملية بأنها الأكبر منذ بدء عملية "زئير الأسد". كما جدد تحذيراته لسكان جنوب لبنان بإخلاء مناطق تصل إلى 40 كيلومتراً شمال الحدود، مؤكداً أن العمليات العسكرية مستمرة وأن وقف إطلاق النار لا يشمل الساحة اللبنانية.
تصعيد عسكري متبادل وخلفيات تاريخية معقدة
استهدفت إسرائيل أيضاً جسراً حيوياً على نهر الليطاني، يُعد آخر ممر نحو مدينة صور من جهة بيروت، بعد أن كانت قد دمرت ستة جسور أخرى منذ بدء الحرب، بحجة استخدامها لنقل تعزيزات عسكرية. في المقابل، وبعد يوم من التوقف، أعلن حزب الله استئناف عملياته، مطلقاً عددا من الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل. وأكد في بيان أن الرد جاء نتيجة عدم التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار، متعهداً بمواصلة الرد حتى توقف ما وصفه بـ"العدوان". يأتي هذا التصعيد في سياق حرب أوسع اندلعت بعد أن أطلق حزب الله، في الثاني من مارس/ آذار، صواريخ باتجاه إسرائيل، وقال إنها جاءت رداً على مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في بداية الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/ شباط، وكذلك ردا على الهجمات الإسرائيلية شبه اليومية على لبنان التي استمرت رغم اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
تداعيات إنسانية وصحية واقتصادية كارثية
أعلنت الحكومة اللبنانية يوم الخميس 9 أبريل/ نيسان يوم حداد وطني على أرواح الضحايا، لكن التحديات التي تواجهها الدولة أكبر بكثير. تجد الحكومة نفسها أمام اختبار صعب يتمثل في كيفية احتواء الأزمة، ومعالجة تداعياتها الإنسانية والاقتصادية، في ظل إمكانيات محدودة وأوضاع داخلية معقدة. بدأت الحكومة باتخاذ خطوات عاجلة، أبرزها تفعيل خلية الأزمة وتوجيه الموارد لدعم المستشفيات ومراكز الإيواء. كما تم التنسيق مع المنظمات الدولية لتأمين مساعدات طبية وإنسانية عاجلة، في محاولة لتخفيف الضغط الهائل على القطاع الصحي.
على الصعيد الدبلوماسي، تسعى الحكومة إلى حشد الدعم الدولي والضغط لوقف التصعيد، من خلال التواصل مع الأمم المتحدة والدول المؤثرة. إلا أن هذه الجهود تصطدم بتعقيدات المشهد الإقليمي، حيث تتداخل الحسابات السياسية والعسكرية بشكل يصعب فصله. في الشارع اللبناني، يسود القلق والخوف من الأيام المقبلة، حيث يتساءل المواطنون عما إذا كانت هذه بداية حرب أوسع أم مجرد جولة جديدة من التصعيد.
أزمات متراكمة تتفاقم مع التصعيد العسكري
يشهد لبنان أوضاعاً إنسانية وصحية واقتصادية بالغة الصعوبة في ظل التصعيد الأخير، حيث فاقمت الغارات من أزمة قائمة أساساً. فالقطاع الصحي، الذي يعاني منذ سنوات من نقص التمويل وهجرة الكوادر، وجد نفسه أمام ضغط هائل مع تدفق أعداد كبيرة من الجرحى، ما أدى إلى اكتظاظ المستشفيات ونقص في المستلزمات الطبية الأساسية. إنسانياً، تزايدت أعداد النازحين من المناطق المستهدفة، وسط محدودية مراكز الإيواء وضعف قدرة الدولة على الاستجابة السريعة. وأدت المعارك إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص، أي ما يعادل نحو خُمس سكان لبنان، ومعظمهم من أبناء الطائفة الشيعية، بينما دُمّرت قرى حدودية بالكامل.
اقتصادياً، فقد أدت الضربات إلى تعطيل الأعمال وتضرر البنية التحتية، في وقت يرزح فيه لبنان أصلاً تحت وطأة أزمة مالية حادة وانهيار في قيمة العملة، ما يجعل التعافي أكثر تعقيداً ويزيد من معاناة المواطنين اليومية. في ظل هذا الغموض، يبقى الأمل معقوداً على تحركات سريعة وفعالة تنقذ ما يمكن إنقاذه، بينما تواصل الحكومة والمنظمات الدولية جهودها لمواجهة هذه الكارثة المتعددة الأبعاد.



