إيران لم تتغير.. فلماذا نتغير؟ تحليل لاستراتيجيات الاختراق والتأثير في العالم العربي
في ظل تداول اتهامات باطلة من قبل بعض الأطراف، يبرز سؤال جوهري: لماذا نتغير بينما تظل السياسات الإيرانية ثابتة في نهجها؟ هذا السؤال يدفعنا إلى استعراض تاريخي وتحليلي لمسيرة الاختراقات الإيرانية في العالم العربي، والتي بدأت منذ ثمانينيات القرن العشرين ولم تتوقف حتى اليوم.
تاريخ من المحاولات المستمرة للاختراق
منذ عقود، لم تكف السلطات الإيرانية عن محاولات اختراق الدول العربية والإسلامية، مع تركيز ملحوظ على الدول العربية. اعتمدت إيران في البداية على الأقليات الشيعية المتحمسة للثورة الإسلامية، حيث غذت لديها أوهاماً بإمكانية إحداث انقلابات في مختلف المناطق، مستشهدة بنموذج حكم آل الأسد في سوريا كأقلية صغيرة.
لكن طرق التعامل اختلفت حسب ظروف كل بلد:
- في لبنان: تم تحقيق استيلاء تحت ذريعة "مجاهدة" إسرائيل.
- في سوريا: شهدت اختراقاً لدعم بقاء النظام في محور المقاومة.
- في العراق: تحقق استيلاء بحجة تمثيل الأكثرية المظلومة.
- في اليمن: أدت إلى انشقاق بدعوى إحياء عهد الإمامة الشيعية.
هذه الإجراءات لم تكن عابرة؛ بل تسببت في نزاعات داخلية أسفرت عن مقتل مئات الآلاف وتهجير الملايين، مع آثار مدمرة تمثلت في تصديع الدول وإفشالها، بل والافتخار بالسيطرة على عواصمها.
التوسع الحالي واستهداف دول الصمود
اليوم، تحاول إيران استكمال سياسات التفكيك والاختراق من خلال استهداف دول الصمود في الخليج والأردن وسوريا الجديدة باستخدام الصواريخ والمسيرات. هذا العداء لا ينبع من خصومات سابقة، بل من اختلاف النموذج والأوضاع الأفضل التي تتمتع بها دول الخليج، بالإضافة إلى موقعها المركزي في الوسط العربي والعالمي.
على الضفة الأخرى، يشهد العالم العربي اختراقات متنامية تشمل:
- الأقليات الشيعية: حيث عززت إيران صلاتها الآيديولوجية والمادية معها منذ عقود.
- الإسلامويين: الذين انحازوا إلى إيران بسبب خصوماتهم مع الأنظمة العربية، خاصة بعد أحداث 2011.
- القوميين واليساريين: إما بدعم إيراني أو بسبب معاداتهم لأميركا وإسرائيل، مما جعلهم يتقاربون مع إيران المعادية لهما.
المفارقة أن هذه المجموعات شهدت مراحل تفكيك الدول العربية والحرب المباشرة ضدها، دون أن تغير من مواقفها، مما يطرح تساؤلات حول مصلحتهم في دعم نزاعات تسبب عدم استقرار.
النموذج الخليجي كبديل مشرق
في مقابل ذلك، يبرز نموذج دول الخليج كمنارة للاستقرار والتنمية، حيث تتمتع بحماية لحدودها ومناعة أنظمتها، مع رعاية للمصالح الكبرى وشراكات مع العالم المتقدم. هذا النموذج يجذب الانتباه في ظل غياب نماذج مشرقة أخرى تجتذب القومويين والإسلامويين وحتى بعض المتصوفة الذين أعلنوا ولاءً لآل البيت في إيران.
يشهد العالم العربي نوعين من الصراع:
- صراع على الأنظمة: يهدف إلى هز الاستقرار ونشر النزاعات، تقوده إيران وإسرائيل.
- صراع استراتيجي: على الموارد والمجالات الجيوسياسية، تؤثر فيه القوى الكبرى.
في هذا السياق، بذلت دول الخليج جهوداً جبارة لاستعادة الدولة في المشرق وإقامة شراكات عالمية، ليس عبر الموارد فحسب، بل من خلال صناعة التقدم لضمان مكانة عربية قوية.
الخلاصة: التمسك بالثبات في وجه التحديات
بعد كل هذا، تبقى الحقيقة واضحة: إيران لم تتغير، ورغم الجهود الكبرى للتلاؤم معها، لم تثمر هذه المحاولات. لذلك، لماذا نتغير؟ الأجدر بنا هو التمسك باتجاه الدول الوطنية المستقرة والمنيعة، التي تصنع شراكات مع العالم، مع الحفاظ على هويتنا وانتمائنا، في مواجهة سياسات الاختراق التي تهدد استقرارنا ووحدتنا.



