نهاية مرحلة الأمن العربي وبداية عصر خصوصية الأمن الخليجي
في تحول استراتيجي بارز، أعلن أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، نهاية مرحلة ما كان يُسمى "الأمن العربي"، مؤكداً أن الهجمات الإيرانية الأخيرة كشفت حدود هذا المفهوم التقليدي. جاء ذلك في تصريحات مفصلة سلطت الضوء على إعادة التموضع الجيوسياسي لدول الخليج بعد التصعيد الإيراني المباشر.
الهجمات الإيرانية تكشف هشاشة السرديات التقليدية
لم تكن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية التي استهدفت دول الخليج مجرد تهديد عسكري عابر، بل كانت محكاً حقيقياً كشف ضعف المنظومة الأمنية العربية التقليدية. فما كان يُقدم على أنه عمق استراتيجي وتحالفات إقليمية متينة، تبين أنه خطاب شعاراتي لم يصمد أمام أول اختبار عملي.
وأوضح قرقاش في تحليله العميق أن العدوان الإيراني قد حوّل الخطر الإيراني إلى محور رئيسي في الفكر الاستراتيجي الخليجي، معززاً بذلك خصوصية أمن الخليج واستقلاليته عن المفاهيم التقليدية السابقة. لم يعد التفكير مقتصراً على إدارة الأزمات المؤقتة، بل اتجه نحو بناء عقيدة أمنية جديدة قائمة على:
- ضمان أمن مستدام يكبح التهديد النووي والصاروخي
- مواجهة تهديدات الطائرات المسيرة
- التصدي لمحاولات بلطجة المضائق البحرية الحيوية
غياب المؤسسات العربية والإسلامية في لحظة الحقيقة
سجل قرقاش غياباً صارخاً للمؤسسات العربية والإسلامية المشتركة أثناء الهجمات الإيرانية، متسائلاً: "أين مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك، وفي مقدمتها الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ودولنا وشعوبنا تتعرض لهذا العدوان الإيراني الغاشم؟".
وأضاف أن هذا الغياب لم يقتصر على المؤسسات الرسمية، بل شمل أيضاً تيارات أيديولوجية مثل جماعة الإخوان المسلمين والتيارات المماثلة، التي اختارت الصمت أو التبرير بدلاً من الوقوف مع دول الخليج في لحظة الخطر.
إعادة رسم خريطة التحالفات والشراكات
أدى هذا الغياب الجماعي إلى تحول جذري في سياسات دول الخليج، حيث أصبحت حرية اختيار الشركاء مبدأً أساسياً يعتمد على الموقف العملي لا الانتماء التقليدي. وقد تجلى هذا في عدة اتجاهات:
- تعميق الشراكة مع الولايات المتحدة من التنسيق الأمني إلى التعاون العملياتي في تأمين الممرات البحرية الحيوية
- تطوير العلاقات مع القوى الآسيوية مثل الهند وكوريا الجنوبية واليابان على أسس براغماتية صلبة
- تحويل الشراكة مع إسرائيل من اتفاقيات معلنة إلى تحالف استراتيجي حقيقي
- تعزيز الشراكات الأفريقية مع الدول التي أظهرت مواقف واضحة أثناء الأزمة
وأكد قرقاش أن "من أخلى نفسه من المسؤولية في لحظة الخطر، أخلى معه حقه في إلزام الآخرين بنهجه السياسي"، مما يعني أن الدول والتيارات التي اختارت الصمت لن تعامل بعد اليوم كشركاء استراتيجيين.
بناء عقيدة أمنية جديدة قائمة على القدرات الذاتية
لم يعد الأمن الخليجي يعتمد على النوايا الحسنة أو الخطابات الرنانة، بل تحول إلى معادلة واضحة تقوم على:
- القدرات الذاتية المتطورة
- الشراكات الدولية المؤسسية
- الإدارة الإقليمية الحكيمة دون تفويض كامل
وهذا ما يعنيه خصوصية أمن الخليج في بعدها الأعمق: حرية اختيار الشريك بناءً على معيار الموقف العملي لا معيار الانتماء التقليدي. فالأمن الحقيقي يُبنى على القدرة الفعلية ويُقاس بالنتائج الملموسة، والعلاقات تُقيّم بالموقف في لحظة الاختبار لا بالتاريخ المشترك.
في الختام، لم يعد السؤال لماذا تعيد دول الخليج تموضعها الاستراتيجي، بل لماذا تأخرت في ذلك. فالعلاقات الإقليمية يمكن إدارتها، لكنها لا تصلح يوماً أساساً لبناء الأمن الوطني. والخليج اليوم لم يخرج على أحد، بل إن "أحداً أخلى الساحة فملأها الخليج"، كما عبر قرقاش، معلناً بذلك نهاية مرحلة كاملة وبداية عصر جديد في الفكر الأمني الخليجي.



