خطة غير مسبوقة: لماذا تطلق سنغافورة ملايين البعوض أسبوعياً؟
خطة غير مسبوقة: إطلاق ملايين البعوض في سنغافورة

في خطوة قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، تواصل سنغافورة إطلاق ملايين البعوض أسبوعياً ضمن استراتيجية علمية مبتكرة تهدف إلى خفض أعداد هذه الحشرات والحد من انتشار الأمراض الخطيرة التي تنقلها، مثل حمى الضنك وزيكا.

كيف تعمل الخطة؟

تعتمد الخطة على إطلاق ذكور بعوض معدلة ببكتيريا طبيعية تمنع تكاثر الأجيال الجديدة، ما أسهم في تحقيق انخفاض كبير في أعداد البعوض بالمناطق المستهدفة ووضع التجربة السنغافورية في صدارة الحلول الحديثة لمكافحة الأمراض المنقولة بالحشرات.

ورغم أن الفكرة قد تبدو متناقضة للوهلة الأولى، فإن البعوض الذي يتم إطلاقه لا يشكل خطراً مباشراً على البشر، إذ يقتصر الأمر على ذكور بعوض «الزاعجة المصرية» (Aedes aegypti)، وهي لا تتغذى على الدماء ولا تلدغ الإنسان، بخلاف الإناث المسؤولة عن نقل الأمراض.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

دور بكتيريا وولباشيا

ويعتمد البرنامج على إدخال بكتيريا طبيعية تُعرف باسم «وولباشيا» (Wolbachia) إلى ذكور البعوض قبل إطلاقها في البيئة. وعندما تتزاوج هذه الذكور مع الإناث البرية، تفشل البيوض الناتجة في الفقس، ما يؤدي تدريجياً إلى تعطيل دورة التكاثر وتقليص أعداد البعوض بمرور الوقت.

ويؤكد الباحثون أن تقنية «وولباشيا» تُعد من أكثر الأساليب الواعدة عالمياً في مكافحة الأمراض المنقولة عبر البعوض، مثل حمى الضنك وزيكا وشيكونغونيا. فهذه البكتيريا موجودة بشكل طبيعي في العديد من الحشرات كالنحل والفراشات والخنافس، ولا تمثل أي خطر على الإنسان أو الحيوانات.

أهمية التقنية

وتكمن أهمية هذه التقنية في أن بعوض الزاعجة المصرية، الناقل الرئيسي لهذه الأمراض، لا يحمل بكتيريا وولباشيا بشكل طبيعي. وعند إدخالها إليه في المختبرات، تصبح قدرة الفايروسات على التكاثر داخل جسم البعوض محدودة للغاية، ما يقلل فرص انتقال العدوى إلى البشر.

آلية الإطلاق

وتبدأ العملية داخل منشآت متخصصة تعتمد على أنظمة فرز آلية عالية السرعة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، إذ تمر ملايين الحشرات يومياً عبر أجهزة متطورة تلتقط صوراً عالية الدقة لكل بعوضة، ثم تحللها لحظياً للتمييز بين الذكور والإناث، وبعد ذلك يتم اختيار الذكور فقط وإطلاقها في الطبيعة.

وبمجرد انتشارها، تتزاوج هذه الذكور مع الإناث البرية الحاملة للأمراض، لتنتج بيوضاً غير قابلة للفقس، ما يمنع ظهور أجيال جديدة ويؤدي تدريجياً إلى تراجع أعداد البعوض في المناطق المستهدفة.

النتائج المحققة

وأظهرت النتائج نجاحاً لافتاً للبرنامج، إذ سجلت بعض مناطق سنغافورة انخفاضاً تجاوز 90% في أعداد بعوض الزاعجة المصرية منذ بدء تطبيق المبادرة.

ومع ذلك، يشير الخبراء إلى أن السكان قد يلاحظون زيادة مؤقتة في أعداد البعوض خلال المراحل الأولى من التنفيذ، نتيجة الحاجة إلى إطلاق أعداد كبيرة من الذكور قبل تحقيق الانخفاض المستهدف في أعداد الحشرات.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ويُنظر إلى التجربة السنغافورية اليوم باعتبارها نموذجاً مبتكراً يجمع بين التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي لمواجهة أحد أخطر التحديات الصحية المرتبطة بالأمراض المنقولة بواسطة الحشرات.