ما وراء الهدنة في لبنان: خيوط الدور الإيراني في إدارة المعركة
مع دخول الهدنة في لبنان حيّز التنفيذ في 16 مارس 2026، لم تنتهِ الحرب بين إسرائيل وحزب الله بقدر ما دخلت مرحلة جديدة أكثر غموضاً وتعقيداً. فما بدا في ظاهره توقفاً للقتال، كشف عن أبعاد خفية لإدارة الحرب، وطبقات متعددة من الأدوار غير المعلنة، وخسائر بشرية لم يُكشف عنها بالكامل.
المعطيات الميدانية: بين الواقع والإخفاء
تشير المعطيات التي جُمعت من خلال تحليل البيانات المفتوحة، وتتبع المواد الرقمية المتداولة، ومقابلات مع مصادر ميدانية وأمنية وسياسية، إلى أن ما جرى على الأرض لم يكن مجرد مواجهة ثنائية بين إسرائيل وحزب الله، بل ساحة أوسع حضرت فيها إيران بأدوار تتجاوز الدعم التقليدي.
بدأت خيوط هذا التحقيق من مواد متناثرة: صور متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، وقوائم تضم عشرات الأسماء قيل إنها تعود لقتلى إيرانيين خلال الحرب. وعند مقارنة هذه المواد بتقارير إعلامية ومصادر استخباراتية إسرائيلية، برز نمط متكرر يشير إلى استهداف شخصيات يُشتبه بانتمائها إلى الحرس الثوري الإيراني.
من بين هؤلاء:
- مسؤولون ماليون واستخباراتيون يُعتقد أنهم كانوا يعملون بتنسيق مباشر مع حزب الله.
- ضباط ومستشارون عسكريون مرتبطون بفيلق القدس.
الخسائر البشرية: الأرقام غير المعلنة
بالاستناد إلى بيانات وزارة الصحة اللبنانية ومصادر أممية لتقدير حجم الخسائر البشرية، تشير المعطيات حتى أبريل 2026 إلى أن إجمالي عدد القتلى في لبنان يتراوح بين نحو 2,100 و2,300 قتيل. في المقابل، قالت إسرائيل إن ما يقارب 1,800 من هؤلاء هم من مقاتلي حزب الله.
أما القتلى الإيرانيون، فبناء على تحليل تقاطعي لمصادر مفتوحة وتقارير استخباراتية وإعلامية، يتبيّن أن عددهم يقع في نطاق العشرات، ومعظمهم من ضباط الحرس الثوري أو مستشارون عسكريون. ومن خلال تتبع دقيق لبيانات نعي محلية داخل إيران، وتحليل محتوى منصات إعلامية مختلفة، تم توثيق نحو عشرين اسماً يُرجّح ارتباطهم بفيلق القدس.
يشير هذا الرقم إلى الحد الأدنى القابل للرصد، فيما يُرجّح أن العدد الفعلي أعلى، خاصة مع وجود مستشارين لا يحملون رتباً معلنة أو يعملون ضمن هياكل غير رسمية.
إدارة العمليات: من التنسيق إلى القيادة المباشرة
من خلال مقابلات أجريناها مع مصادر مطلعة على بيئة حزب الله، تبيّن أن دور الحرس الثوري الإيراني لم يقتصر على الدعم أو التدريب، بل تطوّر ليشمل مشاركة مباشرة في التخطيط العملياتي، وحضوراً داخل غرف التنسيق، وإشرافاً على بعض العمليات الميدانية.
وتشير هذه المصادر إلى أن هذا التحول ارتبط بسياق أوسع، أبرز محطاته مقتل قيادات أساسية خلال مواجهة عام 2024، وغياب حسن نصر الله، الذي كان يشكّل حلقة الوصل التنفيذية بين طهران والحزب.
في مقابلة مع المحلل السياسي علي الأمين، يؤكد هذا التقييم، معتبراً أن المعركة تحوّلت من إطار دفاعي لحزب الله إلى معركة تمس الوجود الاستراتيجي الإيراني في لبنان، ما استدعى تدخلاً مباشراً من طهران.
البنية التاريخية: جذور ممتدة منذ الثمانينيات
بالعودة إلى الخلفية التاريخية، تُظهر تقارير بحثية إيرانية أن العلاقة بين الطرفين تعود إلى أوائل الثمانينيات، حين أشرف ضباط إيرانيون على تدريب عماد مغنية عام 1982 ضمن دورات عسكرية خاصة داخل إيران.
أبرز الأسماء في هذه المنظومة:
- العميد خسرو عروج.
- محمد هادي حاج رحيمي المرتبط بوحدة التدريب في فيلق القدس.
- محمد باقر ذو الفقار المسؤول عن الهيكل العسكري المبكر لحزب الله.
وتشير هذه المعطيات إلى وجود بنية تدريب مؤسساتية داخل إيران، شملت مواقع متعددة ووحدات مرتبطة بفيلق القدس مثل "وحدة الإمام علي"، التي لعبت دوراً محورياً في إعداد المقاتلين.
الشبكات اللوجستية: إعادة التنظيم بعد الضغوط
رغم الاتهامات التي طالت السفارة الإيرانية في بيروت، تشير معطيات جمعت من مصادر إيرانية مطلعة إلى صورة أكثر تركيباً، حيث ينفي هؤلاء اعتماد طهران على سفاراتها لإدارة العمليات في لبنان، مؤكدين الفصل بين العمل الدبلوماسي والنشاط الميداني.
في المقابل، تكشف هذه المعطيات عن دور غير مباشر للسفارة يقتصر على التنسيق العام وتسهيل حركة كوادر الحرس الثوري. في موازاة ذلك، يرصد إجراءات رسمية لبنانية تهدف إلى الحد من وجود عناصر مرتبطة بالحرس الثوري.
حركة الوافدين: بين الرحلات المباشرة والمسارات البديلة
أجرينا تحليلاً لبيانات حركة الطيران خلال فترة التصعيد، وأظهر التحليل تراجع الرحلات المباشرة بين إيران ولبنان منذ نوفمبر 2024، مقابل زيادة الاعتماد على مسارات بديلة مثل طهران–بغداد–بيروت وطهران–إسطنبول–بيروت.
وبالاستناد إلى كثافة الرحلات وسعة الطائرات، يقدر عدد الوافدين من إيران خلال فترة الحرب بنحو 200 شخص. لكن هذا التناقض بين تراجع الرحلات المباشرة واستمرار التدفق يشير إلى أن الشبكة لم تتوقف، بل أعادت تنظيم نفسها ضمن نمط أكثر تعقيداً.
القضايا القانونية: جوازات السفر المزورة
برزت قضية قانونية داخل لبنان، بعد أن تقدّمت النائبة غادة أيوب بدعوى قضائية تتعلق باستخدام جوازات سفر لبنانية بأسماء مزورة. وبحسب مصادر أمنية، فإن هذا الملف يعيد فتح قضية اختفاء جوزيف صادر عام 2009.
وتشير هذه المصادر إلى أن صادر اطّلع على بيانات أساسية تتعلق بأسماء شخصيات إيرانية حقيقية استُخدمت في عمليات تزوير جوازات سفر، وبعد اطلاعه على هذه المعلومات، جرى اختطافه ولا يعرف عنه شيئاً حتى اليوم.
الخلاصة: مشهد معقد يتجاوز المواجهة التقليدية
لا تبدو هذه الوقائع مجرد تفاصيل جانبية في حرب انتهت مؤقتاً، بل مؤشرات على نمط عمل أكثر تعقيداً وغموضاً يتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية. فبين الأرقام المتضاربة، والأسماء غير المعلنة، وشبكات العبور غير المباشرة، يتشكّل مشهد يصعب فك شيفرته بالكامل.
التحقيق في هذه المعطيات لا يقود إلى إجابات نهائية بقدر ما يفتح سلسلة من الأسئلة الجوهرية حول طبيعة إدارة الحرب وحدود الأدوار بين الفاعلين المحليين والإقليميين في المشهد اللبناني المتأزم.



