التعليم هو حجر الأساس لأي تطور مجتمعي، وهو المسؤول عن الحفاظ على النسيج الاجتماعي وتوفير يد عاملة تلبي متطلبات الاقتصاد. إلا أن التعليم الديني في بعض المجتمعات العربية والإسلامية يعاني من أزمة منهجية حقيقية، وفقاً لكاتب المقال أسامة يماني، حيث يُقدَّم التراث الفقهي وكأنه نصوص مقدسة لا تقبل المراجعة، مع إهمال سياقها التاريخي ومقاصدها الكلية. هذا النهج يحوِّل الخلاف الفقهي من رحمة إلى فتنة، ومن تنوع إلى تضييق.
جذور المشكلة في التصور المجتمعي
يشير يماني إلى أن مشكلة التعليم الديني لا تقتصر على المناهج فقط، بل تمتد إلى تصور المجتمع نفسه. فكثير من الآباء يعتقدون أن "تعلم الدين" يعني حفظ الأحكام والمواقف المتشددة، وقد يقاومون أي منهج يبدو لهم "مخففاً" أو "علمانياً". هذا التصور يجعل المناهج الحالية غير قادرة على تقديم منتج تعليمي قادر على التفكير والإبداع، بل إن ما تقدمه للتلاميذ في بعضه هو أصل المشكلة. فالخطورة الحقيقية ليست في تعليم الفقه بحد ذاته، بل في احتكار تفسيره وربطه بالهوية السياسية أو الطائفية، مما ينتج أجيالاً تحفظ الخلافات ولا تفهم جوهر الدين القائم على التوحيد والأخلاق.
القداسة الممنوحة للآراء الفقهية
يرى الكاتب أن القداسة الممنوحة للآراء الفقهية هي لب الأزمة، لأنها تجعل الاجتهاد البشري في مرتبة الوحي، وهذا يناقض مقولة الأئمة أنفسهم: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». فالمشكلة تكمن في تعليم الطلبة أفكاراً من مدارس فقهية تكرس الفرقة والاختلاف، وهذه المدارس تدّعي القداسة وتملك الحقيقة المطلقة، وتقوم بتفسيق المخالف بل وتكفيره في بعض الأحيان. ويؤكد يماني أن الخلاف الفقهي ليس المشكلة، بل المشكلة في توظيفه كأداة للتفريق. لقد نشأ الفقه الإسلامي غنياً بتنوع مدارسه، غير أن التوظيف السياسي أوجد الفرقة.
الحاجة إلى مراجعة منهجية للتعليم الديني
يدعو الكاتب إلى مراجعة منهجية للتعليم الديني، تنتقل به من التلقين إلى التفقه، ومن التعصب للمذاهب إلى التعاون على البر والتقوى، مع فصل تدريس التراث الفقهي عن التربية العقدية والأخلاقية التي ينبغي أن تكون جامعة. ويؤكد أن التعليم العصري يجب أن يعلّم الطالب كيف يفكر لا ماذا يفكر، فيُقدَّم له المذاهب الفقهية كمناهج اجتهاد، مع تدريبه على أدوات النقد والموازنة، وعلى فهم مقاصد الشريعة التي تتجاوز جزئيات الفروع.
الإصلاحات الحالية لم تتجاوز المشاكل
يرى يماني أن بعض الإصلاحات في المناهج الفقهية لم تتجاوز المشاكل التي يعاني منها التراث الفقهي، فلا يزال التعصب للمذهب قائماً بدلاً من الوحدة، وهذا خلاف للتوجيه القرآني الذي يأمر بالتعاون على البر والتقوى. كما أن التربية المعتمدة ينبغي أن تكون جامعة. ويشير إلى أن بعض المناهج الحالية قد تسهم في تكريس الفرقة في الوطن الواحد، وهذا واقع مرير، خصوصاً حين تُدرّس التفاصيل الخلافية التي لا تمس ضروريات الدين، مع إهمال تعليم الطالب كيف يتعامل مع المختلف.
أهمية انتقاء التراث وتأهيل المعلمين
يوضح الكاتب أن المشكلة ليست في التراث الفقهي بشكل عام، بل في طريقة انتقائه وتقديمه. فالتراث يحتوي على آراء مرنة وأخرى متشددة، وبعض المؤسسات التعليمية قد تختار ما يخدم المذهب الرسمي وتهمل الآراء المخالفة التي قد تكون أكثر انسجاماً مع العصر. كما يحتاج المعلم إلى تأهيل فلسفي ومنهجي، فالتعليم العصري القائم على «كيف تفكر» لا «ماذا تفكر» يحتاج معلمين مؤهلين، وهذا نادر في منظومتنا التعليمية التي تُخرِّج معلمين يحفظون ولا ينقدون.
مناهج تتناسب مع كل مرحلة تعليمية
يدعو يماني إلى أن تتناسب المناهج مع سن الطالب في كل مرحلة تعليمية، وأن تبقى التربية في كل المراحل مبنية على القيم الجامعة كالعدل والرحمة والتسامح كأساس مشترك. حتى في الجامعات، ينبغي تدريس تاريخ الفقه وتطوره، لا تدريس الفقه كمجرد أحكام جامدة، وتقديم الخلاف كدرس في الاجتهاد لا كصراع بين حق وباطل. والتركيز على مقاصد الشريعة (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) كإطار جامع، مع النظر إلى تفصيل الفروع بمنظور معاصر يتماشى مع روح العصر.
التعليم سفينة التغيير
يختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن التعليم هو السفينة التي تنقل المجتمعات من التخلف إلى الرقي، لكنها لن تبحر إن ظلت مناهجها تكرس الفرقة بدل الوحدة، وتقدس القديم بدل اجتهاد الجديد. فإصلاح التعليم يبدأ بتحرير العقل من وصاية الآراء البشرية، وإعادة الدين إلى جوهره الأخلاقي الجامع، لا إلى فقه الخلافات المفرقة. ومتى تحقق ذلك، كان التعليم حقاً حجر الأساس لمستقبل زاهر، يبنيه جيل يفكر لا يقلد، ويتعاون لا يختلف.



