تحوّل أدوار الإعلام خلال الأزمات: من ناقل الخبر إلى صانع الأثر وإدارة الواقع
خلال الأزمات والكوارث، يشهد العالم تحوّلاً عميقاً في وظائف الإعلام ذاته، حيث ينتقل من كونه مجرد ناقلٍ للخبر إلى صانعٍ للأثر، وأيضاً من وسيطٍ بين الحدث والجمهور إلى لاعبٍ رئيس في إدارة الحدث. ففي هذه الظروف الصعبة، لم تعد المعركة محصورةً على الأرض فقط، بل تمتد إلى فضاء المعلومات، حيث تُصاغ الروايات وتُبنى الثقة أو تنهار، مما يجعل الإعلام عنصراً حاسماً في تشكيل الواقع.
النموذج التقليدي مقابل الإعلام الحالي
في النموذج التقليدي، كان الإعلام يأتي بعد الحدث لتغطيته، مع وجود فجوة زمنية تسمح بالتحقق والمراجعة قبل النشر. غير أن هذه الفجوة اختفت اليوم، حيث تحول الإعلام إلى لحظي وأحياناً سابق للحدث نفسه! مع هذا التسارع، تغيّر الدور من الإخبار البسيط إلى إدارة الحدث بشكل استباقي، مما يفرض تحديات جديدة على وسائل الإعلام والمؤسسات.
أبعاد تحوّل وظائف الإعلام خلال الأزمات
أول أبعاد هذا التحوّل هو التوجيه السلوكي المباشر، كما حدث خلال جائحة كورونا، حيث لم يقتصر دور الإعلام على نقل أعداد الإصابات، بل أصبح أداة فعالة لتوجيه سلوك المجتمع نحو ارتداء الكمامة والتباعد الاجتماعي وتلقي اللقاحات. نذكر هنا المؤتمرات الصحفية اليومية لمتحدث وزارة الصحة السعودية والحملات التوعوية على المنصات الرقمية، التي هدفت إلى دفع الناس لاتخاذ القرارات الصحيحة، بينما في دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأميركية، أدى تباين الرسائل الإعلامية إلى ارتباك سلوكي في المجتمع.
البعد الثاني هو بناء الثقة المؤسسية، حيث يعمل الإعلام كقناة لطمأنة الجمهور أو إثارة قلقه، عبر تحجيم الشائعات وإظهار قدرة الدولة على السيطرة على الأزمة. من خلال إبراز كفاءة أجهزة الدولة، يعزز الإعلام ثقة الداخل والخارج، مما يساهم في استقرار المجتمع.
أما البعد الثالث، فهو إدارة الرواية، نظراً لأن الأطراف المتصارعة في الأزمة تتنافس على تفسير الحدث بغض النظر عن الحقائق، كما نشهده في حرب أوكرانيا، حيث أصبحت المعركة إعلامية بامتياز! كل طرف يسعى لتقديم روايته عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، مستخدماً الصور والفيديوهات والقصص الإنسانية، مما يحول دور الإعلام من ناقل إلى أداة استراتيجية للتأثير الدولي.
البعد الرابع هو مكافحة الشائعات والتضليل، فمع سرعة النشر، تفتح الباب أمام الأخبار الكاذبة، كما حدث خلال حرائق أستراليا عام 2020، حيث انتشرت صور ومعلومات مضللة بشكل واسع. هذا دفع الجهات الرسمية ووسائل الإعلام المهنية إلى تكثيف جهود التحقق والتصحيح، ليعود تطبيق نظرية الإعلام "حارس البوابة" من جديد، ولكن لهدف حماية المجتمع من التضليل.
ومن الأدوار المتقدمة أيضاً إدارة التوقعات، حيث لم يعد يُكتفى بإخبار الناس بما حدث، بل بما قد يحدث! مثل التوقعات الجوية وتحذيرات وقوع الخطر، مما يساعد في تقليل الأثر السلبي قبل وقوعه. يمكن القول إن الإعلام أصبح جزءاً من منظومة الأمن الوطني بالمعنى الواسع، فهو يؤثر في الاستقرار والسلوك والثقة.
الخلاصة
الإعلام في الأزمات لم يعد يقف على هامش الحدث، بل في قلبه، ويختصر المسافة بين الفوضى والتنظيم، وبين الخوف والطمأنينة. من يستطيع إدارة إعلامه خلال الأزمات، لا يدير المعلومة فقط؛ بل يدير الواقع نفسه! هذا التحوّل يبرز أهمية تطوير استراتيجيات إعلامية فعالة لمواجهة التحديات المستقبلية.



