انهيار صحيفة واشنطن بوست: بيزوس يضحّي بـ150 عاماً من الصحافة لاسترضاء ترامب
بيزوس يضحّي بصحافة واشنطن بوست لاسترضاء ترامب

صحيفة واشنطن بوست على حافة الهاوية: تضحية بيزوس بالإرث الصحفي لصالح المصالح التجارية

تمر صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، إحدى أعرق المؤسسات الإعلامية العالمية، بأسوأ أزمة في تاريخها الممتد منذ عام 1877، حيث تتعرض لانهيار متسارع في ظل قرارات مالكها الملياردير جيف بيزوس التي يرى مراقبون أنها تهدف إلى استرضاء الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على حساب الاستقلال التحريري.

منافسة تاريخية تتحول إلى فجوة هائلة

كانت صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطن بوست، حتى عقد مضى، متقاربتين في المنافسة على القراء والسمعة والسبق الصحفي، رغم تفوق التايمز من حيث الحجم. اليوم، أصبحت الهوة بينهما شاسعة بشكل غير مسبوق.

تشهد نيويورك تايمز مساراً تصاعدياً مذهلاً، حيث تقترب أرباحها التشغيلية من 200 مليون دولار سنوياً، بينما تعاني واشنطن بوست من تراجع نفوذها ووضعها المالي، حيث تخسر ما لا يقل عن 100 مليون دولار سنوياً، مع انخفاض كبير في عدد موظفي غرفة الأخبار.

القيادة: العامل الحاسم في المصير المختلف

يشير تحليل دقيق إلى أن الاختلاف الجوهري بين المسارين لا يعود إلى المواهب الصحفية، فكلا المؤسستين حصدتا جوائز بوليتزر ووظفتا مراسلين ومحررين بارعين على مدى عقود. السر يكمن في القيادة.

في نيويورك تايمز، تميزت القيادة بالثبات والقدرة على التنبؤ والخبرة، مع نظرة مستقبلية ثابتة. قبل أكثر من اثني عشر عاماً، دفع تقرير الابتكار الشركة نحو التحول الجذري من صحيفة تقليدية إلى شركة إخبارية رقمية. كما اتسمت عملية اختيار القيادات بالاستقرار والإعداد الداخلي، مما وفر حماية للمؤسسة.

في المقابل، شهدت واشنطن بوست تقلبات دراماتيكية. بعد شراء جيف بيزوس للصحيفة عام 2013، شهدت فترة ازدهار تحت قيادة المحرر القوي مارتي بارون، مع صحافة جريئة في محاسبة ترامب وتركيز على النمو والابتكار. لكن الأمور انقلبت رأساً على عقب مع تقاعد بارون عام 2021 وتعيين سالي بوزبي خلفاً له، ثم استبدال الناشر فريد رايان بويل لويس، مما أدى إلى انهيار سريع.

التحول الدراماتيكي: من الاستقلال إلى التبعية

بلغت الأزمة ذروتها قبل انتخابات عام 2024، عندما بدأ بيزوس بالتقرب من ترامب. في خطوة وصفت بأنها سيئة السمعة، ألغى مقالاً افتتاحياً كان يخطط لنشره يدعم كامالا هاريس، بحجة أن دعم مرشحين محددين يخلق انعدام ثقة.

هذا القرار، الذي اعتبره المراقبون تنازلاً عن الاستقلال التحريري لصالح المصالح التجارية لبيزوس (ليس فقط أمازون ولكن أيضاً شركته الفضائية بلو أوريجين)، أدى إلى احتجاج جماعي. ألغى حوالي 200 ألف من الموالين للصحيفة اشتراكاتهم، مع توقعات بخسارة المزيد.

مجزرة فبراير 2026: الضربة القاضية

في الرابع من فبراير 2026، شهدت الصحيفة ما وصف بـ"المجزرة" الإدارية، حيث تم تسريح حوالي 300 صحفي، وهو ما يعادل ثلث القوة العاملة في غرفة الأخبار. جاءت هذه التسريحات الجماعية ضمن سلسلة من الإجراءات الدراماتيكية التي غيرت هوية الصحيفة:

  • إلغاء القسم الرياضي وقسم مراجعة الكتب تماماً
  • إغلاق المكاتب الدولية في الشرق الأوسط والهند وأستراليا
  • تقليص التغطية المحلية في منطقة واشنطن بشكل كبير

تغييرات في الهيكل الإداري والمحتوى

شهدت الصحيفة تغييرات إدارية متلاحقة، حيث يشغل جيف دونوفريو حالياً منصب الناشر بعد استقالة ويليام لويس في فبراير 2026. هذه التغييرات جاءت ضمن توجه عام أثار جدلاً واسعاً، تمثل في وقف تقليد تأييد المرشحين الرئاسيين الذي استمر لعقود.

وصفت آشلي باركر، المراسلة السياسية السابقة في واشنطن بوست والتي تعمل الآن في مجلة ذا أتلانتيك، الوضع بأنه "جريمة قتل" للمؤسسة الصحفية العريقة.

مستقبل غامض لإرث صحفي عريق

تأسست صحيفة واشنطن بوست عام 1877، واكتسبت شهرة عالمية بعد كشفها لفضيحة ووترغيت التي أدت إلى استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون. تبنّت الصحيفة لسنوات شعار "الديمقراطية تموت في الظلام"، لكن يبدو أن الظلام يخيم الآن على مستقبلها.

بينما تواصل نيويورك تايمز مسيرتها الناجحة بقيادة مستقرة ورؤية واضحة، تواجه واشنطن بوست مصيراً مجهولاً. يحتاج إنقاذ المؤسسة، وفقاً للمحللين، إلى قيادة مستنيرة وفعالة قادرة على سد الفجوة الهائلة التي تفصلها عن منافستها التاريخية.

لكن كما كتبت مارغريت سوليفان، كاتبة العمود في الغارديان التي غطت هذه الأزمة بالتفصيل: "بصفتي شخصاً يكن احتراماً كبيراً لصحيفة واشنطن بوست منذ عقود، أتمنى لو أستطيع أن أرى بارقة أمل في الأفق. لكنني لا أستطيع حتى أن ألمح شيئاً".

تبقى واشنطن بوست، برغم كل هذه التحديات، رمزاً للصحافة الاستقصائية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل ستنجو من أكبر أزمة في تاريخها، أم ستكون تضحية بيزوس بـ150 عاماً من الإرث الصحفي هي الفصل الأخير في قصة هذه المؤسسة العريقة؟