زيارة تاريخية للمستشار الألماني إلى العاصمة الصينية
وصل المستشار الألماني فريدريش ميرز إلى العاصمة الصينية بكين يوم الأربعاء، في زيارة رسمية تهدف إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، مع البحث عن حلول للتحديات الاقتصادية التي وصفها بأنها تعيق "المنافسة العادلة" في الأسواق العالمية.
تحذيرات صريحة من اختلال الميزان التجاري
في خطاب ألقاه خلال اجتماع مجلس الأعمال الألماني الصيني الاستشاري، والذي حضره رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، حذر ميرز من أن الفجوة التجارية المتسعة بين ألمانيا والصين "ليست صحية" للاقتصادين. وأكد المستشار الألماني على ضرورة إيجاد سبل "لتقليص هذا العجز التجاري"، الذي كشف عن تضاعفه أربع مرات خلال السنوات الخمس الماضية.
ووفقاً للإحصاءات الفيدرالية الألمانية، فإن قيمة الواردات الألمانية من الصين تجاوزت ضعف قيمة الصادرات الألمانية إلى السوق الصينية خلال العام الماضي، مما يخلق حالة من عدم التوازن التجاري المقلق.
مطالب ألمانية لتحسين شروط المنافسة
وجه المستشار ميرز دعوة واضحة للجانب الصيني لتقليل الدعم المقدم للمصنعين المحليين، والسماح بقيمة عملة اليوان بالارتفاع، وضمان استمرار تصدير المواد الخام الأساسية مثل المعادن الحرجة. وأشار إلى أن هذه الإجراءات ستعود بالنفع على الصناعة الألمانية وتساهم في بناء علاقة اقتصادية أكثر متانة بين البلدين.
"في ظل حالة عدم اليقين الناجمة عن السياسات الجمركية التي نشهدها حول العالم"، قال ميرز مخاطباً لي تشيانغ مباشرة، "يمكننا الآن أن نقدم نموذجاً مختلفاً في علاقاتنا الثنائية، من خلال موثوقية وأمن العلاقات الاقتصادية بين بلدينا."
نتائج إيجابية ومبادرات مشتركة
بعد سلسلة من المناقشات مع رئيس الوزراء لي تشيانغ والزعيم الصيني شي جين بينغ، عبر ميرز عن تفاؤله بمستقبل العلاقات الألمانية الصينية. "بعد اليوم، أنا متفائل جداً"، صرح المستشار الألماني، "هذا مسار جيد للعلاقات الألمانية الصينية، سواء في الأشهر أو السنوات القادمة."
وأعلن ميرز عن تعهد صيني بطلب ما يصل إلى 120 طائرة جديدة من شركة إيرباص الأوروبية العملاقة للفضاء، مع إشارة إلى إمكانية توقيع المزيد من الصفقات في المستقبل القريب.
أرقام وحقائق عن التبادل التجاري
استعادت الصين مركزها كأكبر شريك تجاري لألمانيا في عام 2025، متجاوزة بذلك الولايات المتحدة الأمريكية. وبلغت قيمة السلع المستوردة من الصين إلى ألمانيا 170.6 مليار يورو، مسجلة زيادة سنوية بنسبة 8.8%، بينما انخفضت الصادرات الألمانية إلى الصين بنسبة 9.7% لتصل إلى 81.3 مليار يورو.
وحذر يورغن ماتيس من معهد الاقتصاد الألماني من أن هذا الوضع "يؤثر على صميم الصناعة الألمانية، خاصة في قطاعات السيارات والآلات والمواد الكيميائية." وأرجع ماتيس، رئيس السياسة الاقتصادية الدولية في المعهد، هذه التشوهات إلى الدعم "الهائل" من الجانب الصيني وتقليل قيمة العملة.
تحديات إقليمية ودولية مؤثرة
أشارت تحليلات صادرة عن مركز بروجيل للدراسات الاقتصادية في بروكسل إلى أن العجز التجاري المتضخم نتج جزئياً عن جائحة كورونا والغزو الروسي الكامل لأوكرانيا، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج في أوروبا. وفي الفترة نفسها، دخلت الصين مرحلة انكماش طويلة الأمد ناتجة عن الاستثمار المفرط في التصنيع، مما خلق الطاقة الإنتاجية الفائضة التي نشهدها اليوم.
ويواجه القادة الأوروبيون تحدياً في كيفية موازنة تأثير السلع الصينية الرخيصة، خاصة في ظل الاضطرابات الناجمة عن سياسات التعريفات الجمركية التي اتبعها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. "لا أحد في أوروبا يريد حرباً تجارية على جبهتين مع القوتين العظميين في العالم"، كما يقول نواه باركين، الزميل الزائر في الصندوق الألماني مارشال.
مطالبات قطاع الأعمال الألماني
كانت مجموعات الأعمال في ألمانيا قد حثت المستشار ميرز على إرسال إشارة واضحة خلال رحلته الأولى إلى الصين، مطالبته بمعالجة مشاكل تشمل "تشوهات" في المنافسة وضوابط التصدير على المعادن الأرضية النادرة الحرجة، وفقاً لاتحاد الصناعات الألمانية.
وواجهت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل اتهامات متكررة بتجاهل مخاوف حقوق الإنسان لصالح تعميق العلاقات الاقتصادية مع بكين. أما ميرز فقد قال للصحفيين إن العلاقة مع الصين تفتح فرصاً، "ولكنها تنطوي أيضاً على مخاطر."
"نريد تعزيز شراكتنا أكثر... ومع ذلك، سنحمي مصالحنا بالطبع"، أكد المستشار الألماني، بعد أن ذكر سابقاً أن محاولة الانفصال عن الصين ستكون خطأً استراتيجياً كبيراً.