لماذا بدت السعودية أكثر ثباتاً وسط العاصفة؟ تحليل مقال جميل الذيابي
لماذا بدت السعودية أكثر ثباتاً وسط العاصفة؟

مقال جميل الذيابي: دبلوماسية التوازن السعودية

نشر الإعلامي والكاتب جميل الذيابي في صحيفة «عكاظ» مقالاً بعنوان «محمد بن سلمان ودبلوماسية التوازن لإطفاء النيران»، وهو مقال لافت يستحق التوقف عنده. لم يكن المقال مجرد قراءة عابرة لحدث سياسي ساخن، بل محاولة لالتقاط المعنى الأعمق لما جرى ويجري في المنطقة؛ كيف تتحرك الدول الكبيرة عندما يفقد الإقليم توازنه، وكيف تتحول الحكمة أحياناً إلى خط الدفاع الأول عن الأوطان، قبل الجيوش وقبل الصواريخ.

في جمال طرحه وتماسك فكرته، لا يحتاج المقال إلى إشادة إضافية؛ فبعض المقالات الجيدة تفرض احترامها بذاتها. أشار الذيابي بذكاء إلى الطريقة التي أدارت بها المملكة توازناتها خلال الأزمة الأخيرة؛ لا بلغة الانفعال، ولا بمنطق الاصطفافات الحادة، بل بعقلية الدولة التي تدرك أن دورها الحقيقي يتجاوز ردود الفعل الآنية إلى حماية الاستقرار الإقليمي نفسه. كما التقط جانباً مهماً في شخصية القيادة السعودية المعاصرة؛ تلك القيادة التي تتحرك بثقة، وتعرف متى تتدخل، ومتى تُهدئ، ومتى تجعل من الحكمة أداة نفوذ لا مجرد موقف سياسي.

أكثر من مجرد دبلوماسية توازن

ما استوقفني في المقال ليس فقط حديثه عن «دبلوماسية التوازن»، بل ما كشفته الأزمة الأخيرة من حقيقة أكبر: أن المملكة العربية السعودية لم تعد مجرد دولة تحاول تجنب العواصف، بل أصبحت دولة تملك من القوة السياسية والاقتصادية والمؤسسية ما يجعلها أكثر ثباتاً وسط العاصفة نفسها. المشهد الذي عاشته المنطقة خلال الفترة الأخيرة لم يكن مجرد نجاح سياسي عابر، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السعودية على الحفاظ على توازنها بينما كانت عواصم كثيرة تعيش حالة إعادة تموضع وقلق مفتوح.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

في مثل هذه اللحظات، لا تظهر قوة الدول في خطاباتها، بل في قدرتها على حماية الداخل، واستمرار الاقتصاد، والمحافظة على ثقة المجتمع والأسواق معاً. كان المشهد السعودي مختلفاً باقتدار؛ لا ارتباك في الداخل، ولا تعطل في الاقتصاد، ولا لغة هلع في الخطاب العام. كانت الحياة اليومية تسير بهدوء لافت، وكأن الدولة تقول بهدوء إنها تعرف كيف تدير اللحظات الصعبة دون أن تنقل القلق إلى المجتمع.

القوة الحقيقية تظهر في الأزمات

هنا تظهر قيمة ما بُني بصمت خلال السنوات الماضية؛ فالقوة الحقيقية للدول لا تظهر في أوقات الرخاء، بل في الطريقة التي تُدار بها لحظات القلق الكبرى. وهذا ما بدا واضحاً في المشهد السعودي خلال الفترة الأخيرة؛ هدوء في الداخل، واستمرار في التنمية، وثقة اقتصادية لم تهتز، ودولة تمارس دورها الطبيعي بينما كانت المنطقة كلها تعيش حالة ترقب واضطراب.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

اليوم، بات رأس المال يهرب من المناطق القلقة قبل أن تبدأ الأزمات فيها فعلياً، ولهذا بدت السعودية وكأنها ترسل رسالة مختلفة: أن الاستقرار لم يعد مجرد ميزة داخلية، بل أصبح أحد أهم أصولها الاقتصادية أمام العالم. ولم يكن هذا المشهد وليد اللحظة، بل نتيجة مسار طويل من إعادة بناء الثقة الاقتصادية ومناعة الدولة خلال السنوات الماضية.

رؤية 2030: بناء دولة منيعة

أثبتت الأزمة الأخيرة أن رؤية 2030 لم تكن مجرد مشروع اقتصادي لتحسين الإيرادات أو بناء المدن الحديثة، بل مشروعاً لبناء دولة أكثر مناعة وقدرة على الصمود أمام التحولات الكبرى، وأكثر جاهزية للتعامل مع عالم مضطرب ومتغير. ما يلفت الانتباه أن المملكة لم تعد تُقرأ فقط بوصفها قوة اقتصادية صاعدة، بل بوصفها مدرسة متكاملة في إدارة التوازنات الدولية والإقليمية، وهي المدرسة التي قاد ملامحها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عبر نهج سياسي ناضج يقوم على استقلال القرار، وضبط التوازنات، وتقديم الاستقرار بوصفه مصلحة دولية لا سعودية فحسب.

من الحرب الروسية الأوكرانية، إلى التقارب الإقليمي، إلى محاولات تهدئة النزاعات في المنطقة، وصولاً إلى بناء جسور الحوار بين قوى متنافسة، بدت المملكة وكأنها تتحرك بعقلية الدولة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى بالصخب، بل بالقدرة على أن تكون نقطة توازن موثوقة وسط عالم مضطرب.

الهدوء السعودي: ثقة الدولة ومشروعها

لهذا بدت السعودية أكثر هدوءاً من غيرها خلال الأزمة الأخيرة؛ فالدولة الواثقة من اقتصادها، ومن مشروعها الداخلي، ومن موقعها الدولي، لا تتصرف بردود فعل متوترة، ولا تحتاج إلى المزايدة لإثبات حضورها، بل يكفي أن تستمر الدولة في العمل، وأن تستمر عجلة التنمية، وأن يشعر المواطن والمستثمر معاً أن هناك دولة تعرف إلى أين تتجه مهما ارتفعت حرارة الإقليم.

ربما هنا يمكن فهم بعض المعاني العميقة التي تحدث عنها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حين وصف المملكة بأنها ستكون «أوروبا الجديدة». فالمسألة لم تكن مجرد وصف اقتصادي أو طموح استثماري، بل تصور لدولة مستقرة، جاذبة، قابلة للحياة والنمو، وقادرة على أن تكون مركزاً عالمياً للطاقة والاستثمار والسياسة في آن واحد.

لهذا ربما ينظر السعوديون اليوم إلى الاستقرار بوصفه أكثر من مجرد شعور بالأمان؛ بل باعتباره نتيجة مشروع دولة كامل بُني عبر سنوات من العمل الهادئ، وتعزيز الاقتصاد، ورفع كفاءة المؤسسات، وترسيخ الثقة داخلياً وخارجياً. ففي عالم مضطرب تتغير فيه التحالفات والأسواق بسرعة، تصبح الدولة المستقرة ثروة بحد ذاتها، ويصبح استمرار الحياة بصورة طبيعية، واستمرار التنمية، وثقة المواطن والمستثمر معاً، أحد أهم أشكال القوة الحديثة التي نجحت المملكة في ترسيخها خلال السنوات الأخيرة بالحكمة والرؤية والاتزان.