الفضفضة وحدها لا تحقق التعافي النفسي.. دراسة تحذر من المبالغة في التعبير عن المشاعر
الفضفضة وحدها لا تحقق التعافي النفسي.. دراسة تحذر

في زمن يكثر فيه الحديث عن أهمية التعبير عن المشاعر، يبرز تساؤل جوهري: هل تكفي الفضفضة وحدها لتحقيق التعافي النفسي؟ يؤكد مختصون في علم النفس أن الإفصاح الانفعالي، أو ما يعرف شعبياً بالفضفضة، قد يساعد في تخفيف وطأة الضغوط وتنظيم المشاعر، لكنه ليس علاجاً قائماً بذاته، ولا يحقق الأثر نفسه في جميع المواقف.

ما هي الفضفضة؟ نظرة علمية

في علم النفس، يندرج التعبير عن المشاعر ضمن مفهوم يعرف بـ"الإفصاح الانفعالي" (Emotional Disclosure)، وهو أحد أشكال التفريغ الانفعالي. يشير هذا المفهوم إلى تعبير الإنسان عن خبراته المؤلمة بالكلام أو الكتابة أو وسائل أخرى. من أبرز الباحثين الذين تناولوا هذا المفهوم عالم النفس الأمريكي جيمس دبليو بينيبيكر (James W. Pennebaker)، الذي كرس أبحاثه لفهم أثر الإفصاح الانفعالي في التعامل مع الضغوط النفسية.

تشير أبحاث بينيبيكر إلى أن التعبير عن الانفعالات قد يخفف من وطأة الضغوط ويسهم في تنظيم الخبرات الانفعالية، لكنه لا يعد علاجاً قائماً بذاته، ولا يحقق الأثر نفسه في جميع المواقف. فالفارق لا يكمن في التعبير وحده، بل في الطريقة التي يتم بها، والغاية منه، وما يحدث بعده.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

متى تكون الفضفضة مفيدة؟

هناك ظروف حياتية قاسية، مثل فقدان شخص عزيز أو التعرض لصدمة أو ضغوط مستمرة، يصبح فيها التعبير عن المشاعر جزءاً مهماً من استعادة الاتزان النفسي. الحديث مع شخص موثوق أو الكتابة أو طلب الدعم النفسي قد يساعد على تخفيف العبء ويمنح الإنسان مساحة لفهم تجربته. في أحيان كثيرة، لا تكمن قيمة الحديث في التنفيس عن المشاعر فحسب، بل في أنه يساعد الإنسان على رؤية الموقف من زوايا لم يكن منتبهاً لها.

فقد يروي شخص مشكلته لصديق واحد يثق به، فيخرج من الحديث أكثر هدوءاً ووضوحاً. بينما يكرر آخر القصة نفسها مع كل من يقابله، ويشعر بالارتياح في كل مرة، ثم يعود بعد أيام ليبحث عن مستمع جديد، لأن شيئاً في داخله لم يتغير. هذا يفسر عبارات مثل "أنا ما أخلي شيء بقلبي"، التي قد تبدو دليلاً على الصحة النفسية، لكنها لا تخبرنا عن الكيفية التي يعبر بها الإنسان ولا عن الأثر في حياته.

الفرق بين التفريغ الصحي والتفريغ العالق

التفريغ الانفعالي الصحي لا يقتصر على التخلص مما نشعر به، بل يساعدنا على فهم ما نمر به وتنظيم انفعالاتنا واختيار خطوات مناسبة بعد ذلك. أما حين يتحول إلى تكرار للمشكلة دون اقتراب من فهمها، أو يصبح الوسيلة الوحيدة لمواجهة كل ضيق، فإنه يفقد أثره. وفقاً للمقال، فإن كثرة الكلام لا تعني بالضرورة تعافياً، كما أن الصمت لا يعني حتماً كبتاً.

بعض الناس يحتاجون إلى وقت قبل الحديث، ويجدون في الكتابة أو المشي أو التأمل أو الصلاة مساحة أكثر ملاءمة لاستيعاب ما يمرون به. لذلك، ليس الصمت دليلاً كافياً على الكتمان، كما أن كثرة الحديث ليست دليلاً على التعافي.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

كيف نحقق التعافي النفسي الحقيقي؟

يخلص المقال إلى أن التعافي النفسي لا يتحقق بمجرد إخراج ما بداخلنا، بل بمدى فهمنا لمشاعرنا وتحويل هذا الفهم إلى قرارات وخطوات تساعد على التوازن والنمو. فالمشكلة ليست في الفضفضة نفسها، فهي حاجة إنسانية طبيعية وقد تكون الخطوة الأولى في رحلة التعافي. لكن المشكلة تبدأ حين نختزل الصحة النفسية في مجرد إخراج ما بداخلنا، ونغفل أن التعافي لا يتحقق بالتعبير وحده، بل بما يتبعه من فهم ووعي واختيار للطريقة التي تساعدنا على المضي قدماً.

فليست كل المشاعر تحتاج إلى أن تقال فوراً، وليست كل الفضفضة تقود إلى التعافي. ما يصنع الفرق في النهاية ليس مقدار ما نخرجه من داخلنا، بل مقدار ما نفهمه مما نشعر به، وكيف نحول هذا الفهم إلى خطوات تساعدنا على التعافي والنمو.