عبداللطيف آل الشيخ: ما بعد الصحوة.. من يعرّف الليبرالي العربي الآن؟
ما بعد الصحوة.. من يعرّف الليبرالي العربي الآن؟

منذ عقود، خاض التيار الليبرالي العربي معاركه الكبرى تحت لافتة مواجهة تيار الصحوة وتمدد الإسلام السياسي، من الإخوان إلى السرورية وغيرهم. وكان الظن السائد أن انحسار هذا الخصم وتفكك بنيته التنظيمية والخطابية سيفتح الباب لتدشين العصر الذهبي لليبرالية العربية. لكن الواقع الراهن صدم الجميع بمفارقة حادة: الأزمة الراهنة لم تولد من صعود الخصوم، بل من غيابهم. فبدلاً من أن يخرج التيار الليبرالي أقوى، تبدد في فضاء التشتت، وبدا كمن فقد بوصلته في اللحظة التي تلاشت فيها جبهة الخصم، مما يضعنا أمام سؤال جوهري: من يعرّف الليبرالي العربي الآن؟

التأصيل التاريخي: الحضور كرد فعل

لم تتشكل الليبرالية العربية المعاصرة كحركة فلسفية نابعة من تراكم معرفي مستقل، بل ولدت ككتلة دفاعية أو رد فعل مباشر على هيمنة الإسلام السياسي. استمد الخطاب الليبرالي شرعيته وحيويته من التناقض مع الآخر، فكان يكتسب ملامحه من خلال نفي أطروحات الصحوة والرد على أدبياتها. هذا الارتباط الشرطي جعل الوجود الليبرالي وجوداً تفاعلياً بالدرجة الأولى، يتحرك بحركة الخصم ويسكن بسكونه، بدلاً من أن يكون مشروعاً يمتلك جدول أعمال ذاتي البناء.

تفكيك أبعاد المأزق: سؤال وجواب

هل كانت الليبرالية العربية مشروعاً فكرياً متكاملاً أم خطاب معارضة؟

يرى نقاد ثقافيون أن هذا التيار ظل أقرب إلى ليبرالية صحفية، مجرد آراء وانطباعات تفتقر إلى عمق المرجعيات الفلسفية كحقوق المواطنة ومأسسة الفكر الفردي. في المقابل، يمكن القول إن غياب المؤسسات الحاضنة لا ينفي المضمون جملة وتفصيلاً، إذ توجد كتابات جادة ناقشت دولة القانون وحقوق المرأة، لكن مأزقها تمثل في كونها جهوداً مبعثرة عجزت عن التحول إلى تيار منظم.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

كيف انعكس غياب الخصم على الأداء الإعلامي؟

تشكل الحضور الليبرالي عبر ثقافة الاشتباك والمناظرات الساخنة. وعندما خفت صوت الطرف الصحوي، وجدت الرموز الليبرالية أنفسهم بلا قضايا واضحة، فانكشف أن رصيدهم الجماهيري كان مبنياً على كراهية الجمهور للتشدد الصحوي لا على الإيمان بطروحاتهم. يجادل البعض بأن هذه طبيعة المنصات الإعلامية الحديثة التي تقتات على الاستقطاب الثنائي.

ما طبيعة التحالف الاجتماعي حول الشعارات الليبرالية؟

قطاع واسع من الجمهور الذي دعم الخطاب الليبرالي إبان سطوة الصحوة لم يكن مقتنعاً بالفلسفة الليبرالية كرؤية شاملة، بل كان تحالفاً مرحلياً للتخلص من القيود الاجتماعية. في المقابل، يُنظر إلى تحقق تلك المطالب على أرض الواقع كنجاح عملي للأفكار الليبرالية، وإن غاب المصطلح.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الدولة كفاعل بديل يقود التغيير

تجلت المفارقة الكبرى في المشهد السعودي حين تولت الدولة مباشرة تنفيذ إصلاحات اجتماعية وحقوقية، مثل تمكين المرأة والانفتاح الثقافي وتقليص نفوذ التشدد. أنجزت هذه المطالب دون حاجة لوساطة النخبة الليبرالية، مما وضع الليبرالي التقليدي في مأزق الوظيفة المفقودة. لكن قد يرى آخرون أن هذه الإصلاحات لم تكن لتنجح لولا التراكم الفكري السابق، غير أن الفارق أن القرار السيادي نقل الفكرة من هامش المقال إلى أرض الأفعال.

مأزق المصطلح وعلاقة الجيل الجديد

يعاني مصطلح الليبرالية في الفضاء العربي من هشاشة بنيوية، إذ ارتبط في الأذهان كمنتج مستورد. اليوم، يمارس الجيل الجديد أنماطاً ليبرالية في تفاصيله اليومية لكنه يرفض تبني المصطلح كهوية أيديولوجية. هنا تتضح أزمة شكل لا أزمة جوهر: المضمون تحول إلى ممارسة اجتماعية طبيعية بلا لافتة أيديولوجية، بينما بقي الاسم وسماً تاريخياً مثقلاً بالمعارك الفردية.

استحقاق اللحظة الراهنة

نقد الحالة الليبرالية العربية اليوم ليس شماتة، بل ضرورة منهجية. زال العذر التاريخي بوجود الخصم المهيمن، وبات الليبراليون أمام استحقاق: إما الانتقال من رد الفعل إلى الفكر المنهجي المستقل، أو البقاء أثراً من حقبة تاريخية. وظيفة الفكر ليست مزاحمة القرار السيادي، بل شرح معناه وحرس منطقه ومنحه عمقاً يتجاوز لحظة التنفيذ. إذا بقي التيار الليبرالي أسير ذاكرته القديمة، سيبقى الاسم مجرد أثر، وستعرّفه الدولة بالفعل والجيل الجديد بالممارسة.