العافية هي التي تُسرع الأيام وليس الزمن نفسه
العافية تُسرع الأيام وليس الزمن

كثيرًا ما نسمع عبارة "الأيام تسرع" و"العمر يمضي كلمح البصر"، حتى يظن البعض أن الزمن قد تغيرت وتيرته. غير أن الزمن لا يعرف استعجالًا ولا إبطاءً؛ فهو ماضٍ على وتيرته التي قدرها الله منذ خلق الليل والنهار. وما يتغير هو الإنسان: فإذا أظلته العافية، رقت عليه الأيام وانفرجت له الساعات، وانساب العمر بين يديه انسياب الغدير في روض أخضر. أما إذا انحسر عنه ظل العافية، تثاقلت عليه اللحظات وغدت الدقيقة حملًا والساعة عمرًا.

مفهوم العافية الشامل

العافية ليست مجرد نبض سليم أو جسد معافى؛ بل هي سكينة تسكن القلب، وطمأنينة تعمر الروح، وانشراح يفيض على الصدر، وأمن يكتنف الدار، وأهل يجتمع بهم الشمل، ورزق يباركه الرضا، ونفس مطمئنة لا يعبث بها القلق. فإذا اجتمعت هذه النعم، خفت وطأة الزمن واستلذ الإنسان مسير العمر، حتى يلتفت وراءه متعجبًا: متى مضت هذه السنين؟

العافية نعمة غائبة عن الكثيرين

في أروقة المستشفيات رجال ونساء يرقبون طلوع الفطر كما يرقب الظمآن قطرة الماء. يتمنون ليلة يزورهم فيها النوم بلا أنين، أو صباحًا يفيقون فيه وقد خف عنهم ألم لازمهم طويلًا. تمر عليهم الساعات زاحفة، لأن الوجع إذا سكن الجسد أثقل الزمن وجعل للدقيقة من الطول ما ليس لها في حساب الأصحاء.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وخلف القضبان قلوب تعد الأيام عدًا، بل ربما أحصت الساعات والأنفاس. هناك، لا تمضي الليالي كما تمضي عند الناس، بل تتثاقل حتى يخيل إلى أصحابها أن الفطر قد نسي موعده، وأن الشمس أبطأت مسيرها، وأن الزمن قد عُلِّق بين جدارين.

دفء الأهل ونعمة الحرية

في الأرض غرباء أضناهم الحنين، وفرقت بينهم وبين أحبائهم البحار والقفار. يستقبلون الصباح بنظرة إلى التقويم، ويودعون المساء بحسرة الانتظار، يقتطعون يومًا من أعمار الغربة رجاء أن يقرب يوم اللقاء، حتى تغدو الأشهر عندهم عقدًا من الأشواق ويصبح الزمن بطيئًا بقدر ما في القلوب من لوعة.

عافية القلوب أهم من عافية الأبدان

أوجاع القلوب أشد من أوجاع الأبدان. فكم من حزين يقف كل مساء على أطلال ماضٍ رحل، يفتش في الذكريات عن وجه غاب أو نعمة زالت أو حلم انكسر، فلا يزال قلبه معلقًا بلحظة الفقد كأن الزمن توقف عندها. وكم من صاحب غم أثقلته نوائب الحاضر، فأحاطت به الخطوب من كل جانب وضاقت عليه الأرض بما رحبت، حتى أصبحت أنفاسه مثقلة وخطواته واهنة وساعاته أطول من أعمار غيره. وكم من مكروب بلغت به الشدة مبلغًا ضاق معه صدره وانعقدت في وجهه السبل، فرأى الليل لا ينجلي والبلاء لا ينكشف، مع أن لطف الله إذا أقبل محا في لحظة ما أعيا السنين. وكم من صاحب هم يرهقه الغد قبل أن يأتي، ويستقبل الأيام بخوفها قبل وقوعها، فيحمل على قلبه أثقالًا لم يقدرها الله عليه، ويشقى بأوهام لو كشف له الغيب لعلم أن أكثرها لم يكن إلا سرابًا.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الحقيقة: العافية هي التي تُسرع الأيام

تتجلى الحقيقة التي يغفل عنها كثير من الناس: ليست الأيام هي التي أسرعت، وإنما سرعتها العافية. فالعافية هي التي تجعل العمر خفيفًا والعمل لذيذًا والليل قصيرًا والسنين تمضي في رفق ولين. أما إذا غابت العافية، تثاقل كل شيء: الطريق، والساعة، والانتظار، وحتى الأمنيات.

الدعاء بالعافية من أجل العطايا

لهذا كان من أجل الدعاء وأعظم ما يتقرب به العبد إلى مولاه أن يسأله العافية؛ فهي تاج النعم وسيدة العطايا وجماع خير الدنيا والآخرة. عافية في الدين تصون الإيمان، وعافية في البدن تحفظ القوة، وعافية في القلب تطرد الحزن والغم والكرب والهم، وعافية في الأهل والمال والولد، وعافية في الخاتمة يوم لا ينفع مال ولا بنون.

فإذا سمعت من يقول: "الأيام تسرع"، فقل له: بل سرعتها العافية. وإذا رأيت عمرك يمضي هادئًا وليلك ينقضي مطمئنًا وصباحك يشرق بلا ألم ولا خوف، فلا تظن ذلك أمرًا مألوفًا، بل هو فضل من الله يفيض عليك كل يوم يستوجب شكرًا لا ينقطع وحمدًا لا يفتُر.

اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وفي أهلينا وأموالنا، ونسألك تمام العافية ودوامها، فما بعد نعمة الإيمان واليقين نعمة أجل ولا منحة أعظم ولا عطية أكرم من العافية.