التنمية أولوية عربية: دروس من الحرب ونجاحات الخليج في مواجهة الآيديولوجيات
في ظل الحرب القائمة حالياً والتضامن الخليجي والعالمي الملحوظ، أصبح من الضروري دراسة الأفكار التي سيطرت على المنطقة العربية لفترات طويلة. لقد مر قرن من الزمان على هذه المنطقة، حيث كان الصراع الدائر فيها يعتمد بشكل أساسي على اضطراب في ترتيب الأولويات الوطنية.
الآيديولوجيات الشمولية وتأثيرها السلبي
لقد كانت التيارات الشمولية، مثل «الإخوانية»، وصولاً إلى الأمشاج الثورية الحديثة، تجعل الأوطان في منزلة ثانوية. دليل ذلك هو جردة سريعة للخطابات التي تستمر لساعات أمام الجماهير، كما في خطابات القذافي. يتناسى الخطاب الشمولي القديم مشاريع الداخل وأولوية التراب الذي نعيش عليه والإنسان الذي يحرث فيه.
هذا ما جعل الازدهار والنمو يبلغان أشده بعد عقود من التنمية الصعبة، بسبب الحرائق التي تحيط بحديقة الخليج الغضة النضرة. آية ذلك أن «رؤية 2030» أثّرت بشكل إيجابي كبير على دول الإقليم باتجاه التنمية المستدامة.
مبادرات السلام والتنمية
من المؤلم أن قادة كثراً حاولوا إطفاء الحرائق، ولكن ثمة من يفسدها. هناك مبادرات حيوية للسلام على مستويين رئيسيين:
- السلام السياسي في المنطقة وتحجيم مستوى الضريبة السياسية التي تنعكس بالضرورة على الدول والمجتمعات.
- السلام الثقافي من خلال القمم بين الأديان لتعزيز التفاهم والتسامح.
الأحداث الدامية الحالية هي نتيجة حمولة تاريخية من الإرث المتكدس، وهو مزيج من الإرث الفكري والاجتماعي والسياسي والتنافي التاريخي. لذلك جاءت المواجهات عنيفة ومحبطة، لأنها ستثبّط من التنمية التي ترعاها الدول الصاعدة الرائدة في المنطقة.
تحديات المستقبل والدروس المستفادة
بل إن هذه الأحداث الدموية تضع الكفّة، لسنوات مقبلة، لصالح مشاريع غير تنموية ربما تبطّئ من مفاعيل التنمية الطموحة. لكن هل نيأس؟ بالتأكيد لا مجال لليأس. هذا الحدث الحالي، مهما طال، فإن له نهاية، ولكن الكارثة في الآثار التي سيجرّها على المنطقة، حيث ثمة انتعاش غير مفاجئ للجيوب الحركية المتطرفة.
نعم؛ هناك من الخطباء، الآن، من يشجّع على إحياء النفَس الفوضوي الذي فشل قبل عقد ونيّف من الزمان، مؤكداً أن الضريبة ستكون قاسية لأطراف النزاع هناك. ولكن الدرس المستفاد للعرب هو أن يعيدوا ترتيب الأولويات.
إنها لجريمة كبيرة أن تكون الأوطان في منزلة تالية على مصالح الأحزاب الآيديولوجية، «الإخواني» منها أو القومي أو اليساري الثوري. والنتيجة ما نتابعه الآن من انهيارات اقتصادية وأمنية وسياسية في أكثر من بلد عربي قدّم الآيديولوجيا على التنمية. والأيام حُبلى بالدروس من هذه الأحداث المتكررة من دون تبصّر فيها أو تأمل.
خلاصة: انتصار التنمية على الآيديولوجيات
الخلاصة أن أفكار التنمية التي تقودها دول الخليج التنموية الصاعدة لن تهزمها الآيديولوجيات الشمولية. لقد آمنت هذه الدول بأن التنمية هي الأساس، وأن الإنسان هو العمود الفقري للنظام الاجتماعي. إن التضامن الأخوي السائد يحيي الكثير من الآمال الطامحة التي تحقَّق جُلّها وسوف يتحقق كلها وما بعدها.
وإنما ثمة من يحسد هذه المنطقة على التطوّر اليومي الذي لا يستطيعون مجاراته أو الوصول إليه. إن الفكرة هي التي تصنع المشروع المفيد. المرحلة الحاليّة، بالتأكيد، ليست سهلة ولكنها ضرورية لتبويب أولويات جميع الدول العربية؛ بغية الخروج من الآيديولوجيات والأفكار الشمولية؛ بغية التوجه نحو الأفكار التنموية الحيّة والتواضع والاقتداء بدول الخليج التي صنعت نماذج ناجحة على كل المستويات بشكل لم يصل إليه أي بلد آخر في الإقليم.
