خضعت نخب أدبية وثقافية على مدى نصف قرن لضغط الشعاراتية وشروطها، مكرهين أو بغير رضا وقناعة. فما إن يحلوا في بلدان يرى زعماؤها أنهم حماة الديار والديار، إلا وتحملوا وزر الشعار الجانح المناقض للواقع، وربما رفعوه على رؤوسهم أو لحفوا به مناكبهم أو احتزموه في وسطهم، ليكون عوناً لهم على شد الأزر واستقامة الأود وسد الرمق. ولا خلاف على أن السياسة والأدلجة تسللت إلى كثير مما يعده البعض عبادة أو قناعات، وعبثت بالهش من العقائد والأخلاق والقيم والمبادئ.
المملكة وخدمة الحجاج دون شعارات
في كل عام يفد إلى المملكة ملايين الحجاج من مذاهب وطوائف وبلدان وتوجهات مختلفة. لم تدع بلاد الحرمين أحداً يرفع شعاراً يشيد بجهودها أو يثمن دورها، ولم تغفر لأي ضيف مسيس تعكير صفو غيره من الحجاج. فليس كل قاصدي العبادة ممسوسين بالسياسة، فهاجس المؤمنين أداء شعائرهم بمشاعر إيمانية في فضاء آمن، والعودة من حجهم بغفران الذنب ومحو الخطايا. كما لم تلزم المملكة حاجاً بمذهبها ولا فقهها، لأنها ترعى وتعنى بشعيرة الأصل فيها تقوى القلوب والجوارح.
ما رعاية المملكة لضيوف الرحمن وعنايتها إلا انطلاقاً من اختصاصها بهذا الأمر الذي سار عليه السلف الصالح من قادة شرفوا بخدمة الحرمين. والله يصطفي لأشرف المهام أكرم عباده، مثلما يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس. ويكفي اليوم أن نتابع وقوف خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين على موسم الحج، وإشرافهما المباشر على أداء القطاعات التي يقف عليها الوزراء بأنفسهم وعلى مدار الساعة.
الحج المبرور: تعظيم حرمة المكان والزمان والإنسان
الحج المبرور يقوم على تعظيم حرمة المكان والزمان والإنسان. فالمكان بذل ويبذل فيه وعليه مبالغ لا حد ولا حصر لأرقامها، وزود بأحدث وأفضل الوسائل المعينة على طاعة الله دون عناء. والزمان أيام معدودات غالباً لا تزيد على أربعة أيام، سرعان ما تنقضي في لمح البصر، ومن جاء بقصد العبادة لن ينصرف للترهات ويدع المثوبة والحسنات. أما الإنسان فإما أن يكون قائماً على خدمة الحجيج أو مشاركاً في النسك أو متبرعاً لعمل الخير أو مؤدياً مهاماً وظيفية أو تطوعية، وكلهم لا علاقة لهم بشأن سياسي ولا أيديولوجي، فالموسم الخير لا يتسع إلا لذكر الله وما والاه.
تغير القناعات وطرح الأدلجة
كانت بلاد الحرمين وما زالت وستظل مهوى أفئدة ومأرز إيمان. ولا ريب أن كثيراً من الحجاج تغيرت قناعتهم واطرحوا الأدلجة وشعارات التسييس بحكم الواقع الإيماني الذي عاشوه والمعاش الذي شاهدوه والأدب والاحترام الذي حظوا به. فالضيوف ضيوف الله، والسعوديون قيادة وحكومة وشعباً في خدمة الضيف. والله عز وجل ورسوله المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم والأسوياء من البشر لا يقبلون من الضيف إساءة الأدب مع المضيف، لأنها تطاول على الله تعالى وعلى رسوله عليه السلام وعلى المسلمين المسالمين الذين وقفوا أعمارهم وأموالهم لأداء فريضة طالما حلموا وتمنوا أن يسعفهم العمر والظروف ليتمكنوا من أدائها براءة للذمة.
ربما يضيف علماء المقاصد في زمن لاحق إلى شروط استطاعة الحج الاستطاعة بالوعي وبعد نظر المسلم في فهم معنى العبادة، وكذلك الاستطاعة الروحية والأخلاقية التي تجعله في ذروة إيمانياته على مستوى اللفظ والسلوك، إضافة إلى الوعي الثقافي والاجتماعي والاقتصادي لبلوغ أسمى معاني وحدة الجسد والوجدان. فالحج تجرد يليق بمن قرر الاتصال بالسماوات، لا تصفية حسابات.
النظام أولاً في موسم الحج
موسم الحج لا يحتمل العبث ولا الفوضى ولا إعطاء كل شخص على هواه، فالنظام أولاً وأخيراً ودائماً. الحجاج قدموا لمقصد العبادة، والمملكة هيأت لهم كل ما يلزم لتحقيق القصد بأيسر وأمن السبل. تقبل الله من الجميع، وأعان ووفق قيادتنا وحكومة بلادنا على أداء ما أنيط بهم من مسؤوليات خدمة الإسلام والمسلمين.



