بقلم: حسين الحازمي
حين تقرأ التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025، فأنت لا تقف أمام عبارات إنشائية أو وعود مؤجلة، بل أمام أرقام صريحة لا تجامل؛ فهي تُعرض كما هي لتقول الحقيقة كاملة. نحن اليوم، ومع مرور عقد من الزمان على انطلاق هذا التحول التاريخي، نشهد منظومة تتحرك بانضباط عالٍ، حيث اكتملت أو تسير في مسارها الصحيح 90% من المبادرات، وتحقق أو قارب على التحقيق 93% من مؤشرات الأداء. هذا ليس مجرد نجاح، بل هو إيقاع وطني متسارع صاغ واقعاً جديداً في عشر سنوات من العمل الدؤوب.
اقتصاد حيوي.. تحول من الرعوية إلى الريادة العالمية
لقد تجاوز الاقتصاد السعودي مرحلة التوقعات ليصنع واقعاً ملموساً؛ حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً سنوياً بنسبة 4.5% في عام 2025، مدفوعاً بالنمو المتواتر للأنشطة غير النفطية التي أصبحت تمثل الآن أكثر من نصف الاقتصاد السعودي. هذا التحول الهيكلي، الذي ترسخ عبر عقد من الزمان، جعل اقتصادنا أكثر صلابة وقدرة على امتصاص الصدمات العالمية.
- ثقة عالمية: أكدت وكالات التصنيف الائتماني العالمية (موديز، فيتش، وستاندرد أند بورز) متانة المركز المالي للمملكة بنظرة مستقرة.
- ريادة استثمارية: قفزت أصول صندوق الاستثمارات العامة لتصل إلى ما يقارب 3.41 تريليون ريال بنهاية 2025، صعوداً من 720 مليار ريال في 2016، ليصبح المحرك الاستراتيجي للاقتصاد الوطني.
- الحوكمة والتحول الرقمي: قفزت المملكة 7 مراتب في مؤشر المشاركة الإلكترونية بين عامي 2016 و2025، مما يعكس تطور العلاقة بين الحكومة والمجتمع وانتقال الخدمات إلى منظومات رقمية أكثر كفاءة وشفافية.
المواطن في قلب الرؤية.. تمكين وازدهار
إن الفخر الحقيقي يكمن في انعكاس هذه الأرقام على حياة الإنسان السعودي. لقد انخفض معدل البطالة بين السعوديين إلى مستويات تاريخية بلغت 7.2% بنهاية 2025، مقترباً من مستهدفات 2030 قبل موعدها بسنوات، في ثمرة يانعة لجهود استمرت طوال عقد من الزمان، مما أدى إلى اتساع قاعدة الفرص التي لم تعد محدودة كما كانت في السابق.
- الاستقرار الأسري: ارتفعت نسبة تملك الأسر السعودية لمساكنها لتصل إلى 66.24%، وهو ما يعكس كفاءة البرامج السكنية في تلبية تطلعات المواطنين.
- جودة الحياة: لم يعد الطموح محلياً فقط، بل أصبحت مدننا تنافس عالمياً، حيث ارتفع متوسط العمر المتوقع ليصل إلى 79.7 سنة نتيجة التطور الهائل في الخدمات الصحية.
- المشاركة المجتمعية: بلغ عدد المتطوعين 1.7 مليون متطوع منذ إطلاق الرؤية، مما يرسخ مفهوم المشاركة كجزء من الحياة اليومية.
وجهة عالمية وتراث إنساني عريق
نحن لا نبني اقتصاداً فحسب، بل نستعيد مكانتنا كقلب نابض للعالم. لم يعد الحديث عن خطط سياحية مستقبلية بل عن واقع فعلي بلغ 123 مليون زيارة سنوياً. كما استقبلت المملكة رقماً قياسياً بلغ 18.03 مليون معتمر من الخارج في 2025. وفي البعد الثقافي، ارتفع عدد المواقع السعودية المدرجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو إلى 8 مواقع، مما يعزز حضور هويتنا الثقافية عالمياً بعد عقد من الزمان من التطوير والاهتمام بالمكتسبات الوطنية.
التفاؤل بالمستقبل.. نحو المرحلة الثالثة
مع دخولنا المرحلة الثالثة من الرؤية في عام 2026، لا ننظر إلى ما تحقق كخط نهاية، بل كنقطة انطلاق لمرحلة أكثر تطلباً. النجاح هنا لا يُقاس ببلوغ المستهدفات فقط، بل بالقدرة على تجاوزها دون فقدان التوازن، وبالاستمرار في النمو لضمان استدامة الأثر للأجيال القادمة.
آخر القول، إن ما نعيشه اليوم هو برهان ساطع على أن الرؤية لم تكن يوماً مجرد حبر على ورق، بل هي مسيرة وطن قرر أن يسبق زمنه. إن حصاد عقد من الزمان من العمل المخلص يؤكد أننا انتقلنا من مرحلة التخطيط إلى مرحلة جني الثمار؛ فالاقتصاد تعافى وتنوع، والمواطن نال نصيبه من الاستقرار، ومكانة المملكة الدولية ترسخت كقوة قيادية ومؤثرة. إننا اليوم نقف على أعتاب المرحلة الثالثة بفيض من الفخر بما أُنجز، وبتفاؤل لا يحده سقف بأن المستقبل سيحمل فصولاً أكثر إشراقاً ورفعة لهذا الوطن العظيم.



