فانوس رمضان: تقليد مصري يتحدى الظروف الاقتصادية بمبيعات ضخمة
في بلد يسعى جاهداً للنهوض اقتصادياً ورفع مستوى دخل مواطنيه، تظل الأعراف والتقاليد الاجتماعية قوة لا تُقهر تتحدى كل الظروف المالية الصعبة. فقد أظهر تقرير حديث أن المصريين أنفقوا ما يقارب مليار جنيه مصري، أي ما يعادل 215 مليون دولار أمريكي، على شراء فوانيس رمضان للعام الحالي 2026. هذا الرقم الكبير يبرز أهمية هذا الطقس الاجتماعي الذي يعد هامشياً من الناحية الاقتصادية، لكنه يحمل قيمة معنوية عميقة في قلوب المصريين، حيث يجسد روح الشهر الفضيل ويربط الأجيال بتقاليدهم العريقة.
لابوبو والأخطبوط: أبطال موسم الفوانيس الجديد
مع كل موسم رمضاني، يعتاد المصريون على ظهور فانوس "ترند" جديد يخطف أنظار المستهلكين، خاصة الصغار، ويدفعهم للتشبث باقتنائه. إلا أن الموسم الحالي يبدو مختلفاً بشكل ملحوظ، بعد أن غزت دمية "لابوبو"، التي كانت خاطفة الأضواء الأولى عالمياً خلال العام الماضي، متاجر الفوانيس المصرية وتصدرت واجهات العرض. هذا الاهتمام العالمي الكبير بالدمية القماشية خلال عام 2025 دفع صناع الفوانيس المصريين لتحويلها إلى بطل المتاجر هذا العام، رغم وجود مجموعة متنوعة من الفوانيس المثيرة للاهتمام مثل فانوس "الأخطبوط" وفانوس الزيت التقليدي.
وبينما ساهمت "لابوبو" في رفع مستويات الطلب على الفوانيس في مصر بنسبة تتراوح بين 15 و20%، وفقاً لتقديرات مسؤولين ومتعاملين في القطاع، إلا أنها في الوقت نفسه أدت إلى رفع الأسعار لمستويات قياسية غير مسبوقة. أظهر مسح أجرته "العربية" شمل عدداً من تجار الفوانيس في منطقتي الدرب الأحمر والنزهة بالقاهرة، ارتفاعاً نسبياً في أسعار بعض الفوانيس التقليدية، وزيادة ملحوظة في أسعار الفوانيس "الترند" مثل "لابوبو" و"الأخطبوط".
تفاصيل الأسعار: من البساطة إلى الفخامة
وفقاً للتجار، تبدأ أسعار الفوانيس التقليدية الصغيرة، المعروفة باسم "الميداليات"، من 10 جنيهات وحتى 70 جنيهاً. بينما تتراوح أسعار الفوانيس متوسطة الحجم بين 50 و130 جنيهاً حسب الجودة المستخدمة. أما الفوانيس المزودة بمميزات إضافية مثل الموسيقى والأغاني الرمضانية والألعاب المتحركة، فتبدأ أسعارها من 200 جنيه وقد تصل إلى 1500 جنيهاً.
وبحسب التجار، ترتفع أسعار الفوانيس الكلاسيكية التي تعتمد في صناعتها على مواد مثل النحاس والصاج المطلي والزجاج الملون، حيث تتراوح أسعارها بين 300 و800 جنيهاً، فيما يمكن أن تصل أسعار الأحجام الكبيرة منها إلى قرابة 5 آلاف جنيه للمستهلكين. لكن الأمر يختلف مع الفوانيس الترند مثل "الأخطبوط" و"لابوبو"، اللذين يعتبران الأعلى سعراً والأكثر طلباً هذا العام، حيث تتراوح أسعارهما بين 500 و1500 جنيه في المحلات المتوسطة، بينما تصل في المحلات الكبرى والعلامات التجارية المعروفة إلى ما بين 1500 و4 آلاف جنيه.
آراء الخبراء: الطلب المتزايد وتأثير الترند
من جانبه، قال بركات صفا، رئيس شعبة الأدوات المكتبية ولعب الأطفال بالغرفة التجارية المصرية، إن معدلات الطلب على شراء فوانيس رمضان ارتفعت خلال العام الحالي مقارنة بالأعوام السابقة، خاصة مع تنوع الأشكال واستقرار أسعار بعض الأنواع التقليدية. وقدّر صفا حجم مبيعات سوق الفوانيس في مصر بما يتجاوز مليار جنيه سنوياً، مشيراً إلى أن مصر تصدّر ما بين 15 و20% من إنتاجها لدول عديدة، على رأسها إيطاليا والسعودية والإمارات وفلسطين، بهدف تلبية احتياجات المصريين المقيمين في الخارج.
واتفق معه محمد رشاد، عضو شعبة لعب الأطفال بغرفة القاهرة التجارية، الذي أشار إلى أن السوق يشهد هذا العام تحسناً ملحوظاً في معدلات الطلب، انعكس إيجابياً على حركة البيع مقارنة بالموسم الماضي. وأضاف رشاد أن الفوانيس "الترند"، والتي يتم تصميمها على أشكال الألعاب أو الشخصيات الكرتونية، تجذب الانتباه مؤقتاً، لكنها لا يمكن اعتبارها المحرك الرئيسي للمبيعات، خاصة مع عودة الاهتمام بالفوانيس التقليدية منخفضة السعر.
ارتفاع الأسعار وارتباك الأسواق
واعتبر رشاد أن الفوانيس "الترند"، رغم مساهمتها في تنشيط مبيعات بعض المحال، إلا أنها قد تتسبب في ارتباك السوق ورفع الأسعار، خاصة مع إصرار بعض المستهلكين على شراء فوانيس محددة. وقال: "اتجاهات المستهلكين نحو الفوانيس الجديدة غالباً ما تكون مؤقتة وتختفي سريعاً، بينما يظل الفانوس التقليدي هو الأكثر استقراراً في الطلب".
من ناحية أخرى، أوضح صفا أن هناك تبايناً كبيراً في أسعار الفوانيس المطروحة في السوق المصرية، يعتمد على المواد الخام المستخدمة في صناعتها وأماكن البيع. وأضاف أن الفوانيس التقليدية لم تشهد زيادات كبيرة هذا العام، حيث تتراوح أسعارها بين 10 جنيهات و300 جنيه، حسب الحجم والجودة والخامات. لكن الطلب المتزايد على الفوانيس ذات الشهرة الواسعة بين الأطفال، مثل "الأخطبوط" المزود بزيت داخلي أو "لابوبو"، رفع أسعارها حتى 6 آلاف جنيه في بعض المراكز التجارية الكبرى، وهو ما يعادل 130 دولاراً أمريكياً.
ازدهار صناعة الفوانيس المحلية
أشار رشاد إلى أن الغالبية العظمى من الفوانيس المتداولة حالياً في مصر هي محلية الصنع، في ظل غياب الفوانيس المستوردة من الأسواق منذ قرار الحكومة المصرية بحظر استيراد الفوانيس في عام 2015. وأوضح أن الفوانيس البلاستيكية استعادت مكانتها في السوق بعد أن كانت الفوانيس الخشبية هي الأكثر انتشاراً في فترة سابقة، وذلك بسبب محدودية قوالب التصنيع. بينما سمحت التطورات الصناعية بتنوع الإنتاج وزيادة الكميات بشكل ملحوظ.
وعزا رشاد ازدهار صناعة الفوانيس في مصر خلال العشرة أعوام الماضية إلى منع الاستيراد، قائلاً: "هذا الإجراء أسهم في فتح المجال أمام الصناعة المحلية وزيادة الاستثمارات بالقطاع، حيث اتجه العديد من المستوردين السابقين إلى التصنيع داخل مصر، ما أدى إلى ظهور ورش ومصانع جديدة". وكانت وزارة التجارة والصناعة المصرية قد قررت في 2015 وقف استيراد فوانيس رمضان من كافة دول العالم، والاعتماد على الصناعة المحلية، بهدف تخفيف الضغوط على الدولار من جانب، والحفاظ على خصائص التراث المصري وتشجيع الصناعة المحلية على الجانب الآخر.
في الختام، يبقى فانوس رمضان رمزاً حياً للتقاليد المصرية التي تتحدى الظروف الاقتصادية، حيث يجمع بين الأصالة والحداثة، ويواصل إضاءة بيوت المصريين بروح من الفرح والتماسك الاجتماعي، مما يجعله أكثر من مجرد زينة، بل جزءاً لا يتجزأ من هوية الشعب المصري خلال الشهر الفضيل.