لأعوام طويلة ترسخت في الثقافة الاستثمارية مقولة مفادها أن العقار هو "الابن البار"، وأنه الملاذ الآمن الذي لا يخسر، وأن الزمن كفيل بتحويل أي شراء عقاري إلى ثروة. لكن الواقع الاقتصادي أكثر تعقيداً من هذه العبارة المختصرة، بل إن هذه القناعة ربما كانت سبباً في خسائر كبيرة تكبدها مستثمرون ومواطنون اشتروا عند مستويات سعرية مرتفعة معتقدين أن الأسعار لا يمكن أن تتراجع أو تتوقف عن الصعود.
تضخم الأسعار ليس دائماً حقيقياً
لقد شهدت السوق العقارية خلال فترات مختلفة موجات من الارتفاعات السعرية التي تجاوزت في بعض الأحيان معدلات النمو الطبيعي للدخول والاقتصاد. ولم يكن ذلك دائماً نتيجة زيادة حقيقية في الطلب، بل ساهمت فيه ممارسات تسعيرية خلقت واقعاً جديداً في السوق. فحين يملك تاجر عقار أو مستثمر كبير ملاءة مالية مرتفعة، فإنه يستطيع عرض عقاره بسعر أعلى من السعر السائد دون أن يتأثر إذا لم يتم البيع. ومع مرور الوقت يبدأ ملاك آخرون في تقليد هذه الأسعار، فتتحول الأسعار الاستثنائية إلى أسعار مرجعية، ويصبح السوق محكوماً بالتوقعات أكثر من كونه محكوماً بالصفقات الفعلية.
ومع انتشار هذه الثقافة لم يعد السؤال: كم يساوي العقار؟ بل أصبح: بكم يعرضه المالك؟ وهنا تبدأ الفجوة بين القيمة الحقيقية والسعر المطلوب، لتدخل السوق في دوامة من التضخم السعري الذي يدفع ثمنه المواطن والمستثمر على حد سواء.
عدالة المعلومات في السوق
لكن ثمة سؤال أكثر حساسية يستحق النقاش: هل جميع المتعاملين في السوق العقارية يمتلكون القدر نفسه من المعلومات؟ فعندما ترتفع أسعار أراضٍ أو مواقع محددة بشكل لافت قبل الإعلان عن مشاريع تنموية أو شبكات طرق أو توسعات حضرية، فإن التساؤل يصبح مشروعاً: هل كان ذلك نتيجة قراءة استثمارية ذكية فقط؟ أم أن بعض الأطراف تمكنت من الوصول إلى مؤشرات أو معلومات مبكرة حول مستقبل تلك المواقع؟
لا يتضمن هذا السؤال اتهاماً لأحد، لكنه يطرح قضية جوهرية تتعلق بعدالة السوق. ففي الأسواق المتقدمة تعد المعلومة أحد أهم عناصر المنافسة العادلة. وكلما اقتربت فرص الوصول إلى المعلومات بين المستثمرين، زادت كفاءة السوق وانخفضت فرص التشوهات السعرية. أما عندما تصبح المعرفة بمستقبل المناطق حكراً على فئة محدودة، فإن الفجوة تتسع بين من يشتري قبل الإعلان ومن يشتري بعد ارتفاع الأسعار.
مخاطر الاستثمار العقاري الوهمي
وإذا كان المواطن هو أول المتضررين من هذه الممارسات، فإن المستثمر نفسه ليس بمنأى عن المخاطر. فمقولة "العقار هو الابن البار" دفعت كثيرين إلى شراء عقارات بأسعار مرتفعة جداً اعتماداً على فرضية أن الأسعار ستواصل الصعود بلا توقف. لكن الأسواق لا تتحرك في اتجاه واحد، وعندما يتكدس المعروض وتتراجع السيولة وتقل القدرة الشرائية، يكتشف البعض أن الربح الذي كان يراه على الورق لم يكن سوى أرقام افتراضية.
فالعقار لا يحقق الربح بمجرد ارتفاع السعر المعلن، بل عندما يوجد مشترٍ مستعد لدفع ذلك السعر. وكثير من المستثمرين وجدوا أنفسهم يحتفظون بعقارات لسنوات طويلة دون القدرة على التخارج بالسعر الذي اشتروا به، فضلاً عن تحقيق الأرباح التي كانوا يتوقعونها.
الإيجار ليس ربحاً صافياً
ومن الأخطاء الشائعة أيضاً النظر إلى الإيجار الشهري على أنه ربح صافٍ. فالمستثمر الذي يدفع ملايين الريالات لشراء عقار مؤجر قد يطمئن إلى التدفق النقدي الشهري ويعتقد أنه حقق استثماراً آمناً، لكنه يغفل عن حقيقة اقتصادية مهمة وهي أن رأس المال لم يعد إليه بعد، وأن المبنى نفسه يتعرض للإهلاك مع مرور الوقت.
فالعقار مثل أي أصل اقتصادي آخر يتقادم ويحتاج إلى صيانة وتحديث وإحلال. كما أن فترات الشغور وتكاليف التشغيل والإصلاح والتغيرات في الطلب تستنزف جزءاً من العوائد. وبالتالي فإن ما يبدو دخلاً ثابتاً قد لا يكون ربحاً حقيقياً إذا لم يؤخذ في الاعتبار استرداد رأس المال والإهلاك والتضخم وتكلفة الفرصة البديلة.
الوعي الاستثماري هو الحل
لذلك فإن أخطر ما أنتجته مقولة "العقار هو الابن البار" أنها شجعت كثيرين على اتخاذ قرارات استثمارية بناءً على الموروث الشعبي لا على التحليل المالي. فأصبح البعض يشتري بأي سعر، ويحتفظ بأي أصل، ويبرر أي تقييم مرتفع باعتقاد أن الزمن وحده سيعالج الأخطاء.
السوق العقارية الصحية لا تقوم على الارتفاع المستمر للأسعار، بل على العدالة والشفافية وكفاءة التسعير. ولا يقاس نجاحها بعدد المليونيرات الذين صنعتهم، بل بعدد الأسر التي استطاعت التملك، وعدد المستثمرين الذين اتخذوا قراراتهم بناءً على معلومات متاحة للجميع، وأسعار تعكس القيمة الحقيقية للأصول.
ولهذا ربما حان الوقت لمراجعة المقولة القديمة. فالعقار ليس ابناً باراً في كل الأحوال، بل هو استثمار قد يربح وقد يخسر، وقد يصنع الثروة كما قد يجمدها. أما الابن البار الحقيقي فهو الوعي الاستثماري القادر على التمييز بين القيمة والسعر، وبين الربح الحقيقي والوهم الذي تصنعه المضاربات.



