المملكة تتبنى الجمال كاستراتيجية ثقافية في عالم مليء بالتحديات
في ظل الأزمات والصراعات والاستقطابات الحادة التي تعصف بالعالم اليوم، والتي تهدد القيم الإنسانية وتزيد من معاناة الشعوب، تبرز المملكة العربية السعودية باختيار واضح: اعتماد الجمال كملاذ آمن وسلاح مضاد لمواجهة القبح الأخلاقي والجوع الروحي الذي ينتشر عالميًا.
تحول نوعي في المشهد الثقافي والفني
لم يكن هذا الانحياز إلى خيار الجمال مجرد قرار رفاهي أو متعة عابرة، بل هو تجسيد عملي للتحول النوعي في المشهد الثقافي والفني الذي تشهده المملكة مع انطلاق رؤية 2030. تعكس هذه الخطوة عقل القيادة ورؤيتها تجاه مستقبل السعودية، حيث تسعى إلى تشكيل صورة ذهنية إيجابية خطوة بخطوة.
أدركت الرؤية أن الثقافة والفنون وما يتفرع عنهما من تجليات جمالية، تتجاوز مجرد الفعاليات والمهرجانات، لتشمل بناء مؤسسات معرفية وتعليمية وهيئات بحثية قادرة على إعادة صياغة العلاقة بين الثقافة والاقتصاد والتنمية، مع التركيز على الإنسان كمركز لهذه الجهود.
مؤسسات رائدة تعزز الاقتصاد الإبداعي
من أبرز مظاهر هذا التوجه، إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، والذي يهدف إلى تأسيس قاعدة علمية لفهم المجتمع السعودي وتحولاته، وتوثيق تراكماته الحضارية. كما جاء تأسيس جامعة الرياض للفنون كنتاج للاستراتيجية الوطنية للثقافة، لتنمية القدرات الإبداعية وتحويل الإبداع إلى قيمة اقتصادية.
تشمل هذه المؤسسات أيضًا دار الأوبرا الملكية وبيوت الفنون والموسيقى والأزياء، والتي تصطف جميعًا ضمن لوحة فسيفسائية تعبيرية عن فلسفة المملكة تجاه الفن والجمال، بوصفه اقتصادًا إبداعيًا ومعرفيًا أعمق من كونه مشهدًا حسيًا لحظيًا.
تكامل بين المعرفة والممارسة الإبداعية
يهدف التقاء قرار إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا مع تأسيس جامعة الرياض للفنون إلى بلورة نموذج عالمي تكاملي، يجمع بين إنتاج المعرفة العلمية حول المجتمع وتحولاته الثقافية، وبين تحويل هذا النتاج المعرفي إلى ممارسات إبداعية وصناعات ثقافية قابلة للتصدير.
تمثل هذه الركائز انتقال المملكة نحو الاقتصاد المعرفي، وتدشن آفاقًا جمالية وإبداعية قادرة على إعادة تعريف الفن والثقافة ضمن أولويات إنسانية، كأداة للنجاة من العنف والتزييف الذي يفرضه العالم المحيط.
كما قال دوستويفسكي: "إن الجمال سوف ينقذ العالم"، وهكذا تفعل المملكة لإنقاذ العالم من خلال استثماراتها في الجمال والثقافة، معززة بذلك قيمة الإنسان وإنسانية الحضارة.



