معضلة سياسية تاريخية: النخبة المصرية بين بريطانيا والعثمانيين
في مطلع القرن العشرين، واجهت النخبة المصرية معضلة سياسية صعبة ومحورية: هل تناضل ضد الاحتلال البريطاني، مما قد يفتح الطريق لعودة السيطرة العثمانية؟ أم تستغل الوجود البريطاني للتخلص من الحكم العثماني نفسه؟ لم يكن هذا السؤال نظرياً أو مجرداً، بل كان نابعاً من واقع معقد، حيث كانت مصر مستعمرة عثمانية طيلة أربعة قرون، وزاد عليها احتلال عسكري بريطاني، مما خلق وضعاً سياسياً ملتبساً.
الواقع التاريخي وتحديات الاستقلال
ضع نفسك مكان تلك النخبة: الإمبراطورية العثمانية تملك رسمياً أرض مصر، بينما الاحتلال البريطاني يسيطر على قرارها السياسي، والعلاقة بين الإمبراطوريتين تتراوح بين شد ومساومات. بالإضافة إلى ذلك، واجهت النخبة مشكلة ثقافية عميقة، حيث كان العالم لم يعرف طوال ألفي عام إلا الإمبراطوريات، مما شكل ذهنية مجتمعات يصعب عليها تصور معنى كلمة استقلال حقيقي.
الدكتور محمد حسين هيكل أوجز جانباً من هذه المشكلة بصورة مبسطة، مشيراً إلى أن النخبة المصرية، التي جاء معظمها من أبناء الفلاحين، كانت محمَّلة بحكايات عن ظلم العثمانيين الذي لا يردُّه قانون، مما جعلهم لا يرون الاحتلال البريطاني أسوأ من الاستعمار العثماني. ضرب مثلاً لهذا الصنف بنفسه، وقبله أحمد لطفي السيد وسعد زغلول، الذين حرصوا في نضالهم على تجنب ما وقعت فيه طائفة أخرى من النخبة، مثل مصطفى كامل.
انقسام النخبة وتداعيات القرارات السياسية
هذه الطائفة الأخرى، حسب هيكل، جاءت في معظمها من دوائر الأفندية في الحضر، القريبة من السلطة الخديوية أو المرتبطة بالدواوين الحكومية، وكرَّست نضالها ضد البريطانيين فقط، مما قد يؤدي إلى إعادة النفوذ العثماني. لم يكن ذلك جهلاً، بل اقتناعاً بأن البريطانيين هم العدو الحقيقي، بينما العثمانيون إخوة في الثقافة، واتخذوا هذا معياراً لقرارهم السياسي.
وصل الأمر إلى حد أن مقالاً لأحمد لطفي السيد استخدم فيه تعبير «الاستقلال التام» أثار عاصفة من الهجوم والتهديد بمنعه من الكتابة؛ لأنه ساوى بين البريطانيين والعثمانيين، مما اضطر إلى البحث عن مخرج لغوي للعبارة. ثم جرت أمور تاريخية كبرى، مثل انهزام الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وانتصار تيار الاستقلال في 1919، وحصول مصر على استقلالها في 1922، وسقوط الإمبراطورية العثمانية في 1924.
استمرار اللبس وتأثير الذهنية الإمبراطورية
تغير كل هذا، ولكن اللبس استمر. حظيت الدول بأسماء مستقلة وأعلام جديدة ووضع قانوني دولي مختلف، ولكن العقلية السياسية لم تتغير. الذهنية الإمبراطورية، التي ترى العالم في تكتلات قديمة، بقيت حاضرة، كما بقي خلط الدين بالسياسة، مما يقوض فكرة الدولة الوطنية. عند النظر إلى معظم المشكلات الجيوسياسية في منطقتنا، نجدها نابعة من هذه المشكلة العميقة.
دولة تريد إحياء إمبراطورية دينية فتؤسس ميليشيات تهدم الدول الأخرى من داخلها، وأخرى ترى نفسها وريثة إمبراطورية زالت، وثالثة تسعى إلى قيادة إمبراطورية عروبية متخيَّلة. حتى التاريخ لم يَسلم، حيث عاد بعضهم إليه ليمجد من أرادوا استقلالاً منقوصاً، ويتهم بالخيانة من استخدم أدوات السياسة ليصل إلى الاستقلال.
تحديات الرأي العام ودور النخبة والإعلام
الرأي العام قصة أخرى، حيث تجد من يؤيد غزو دولة لدولة بدعوى أن الحدود صنيعة الاستعمار، ولا يرد عندما تسأله: ألم تكن إزالة الحدود أيضاً صنيعة استعمار آخر؟ وتجد من يتحجر عند عداوات موروثة، ومن يريد حصر الخيار السياسي في عامل الثقافة، متجاهلاً المصلحة السياسية وموازين القوى وتجارب التاريخ المعاصر.
هذه الفئة تحاول دائماً قلب الحقائق لإثبات صحة تصوراتها المعلبة، فينتهي بها الحال إلى تأييد الفشل والهتاف باسمه، حتى يدمر نفسه ويدمرها ويدمرنا. لكن تبقى المشكلة الأكبر أن قطاعاً واسعاً من النخبة والإعلام يغذي هذا الفهم المعوج، ويستهين بشعارات لا يزن خطورتها، مما يجعلهم مصدر الداء بدلاً من أن يكونوا موضع التصويب والعلاج. أعتقد أن هؤلاء لو وُجدوا في ذلك الزمان لأعادوا تعريف «الاستقلال التام» بطريقة تخدم أجنداتهم.
