أمسية ثقافية في جدة تحتفي بالأغنية الوطنية ورسالتها الإنسانية
في ليلةٍ جمعت بين عبقرية الكلمة وجمال الصوت، استضافت جمعية الثقافة والفنون بمدينة جدة أمسية ثقافية مميزة بعنوان "الأغنية ورسالتها الوطنية"، قدّمها الشاعر الدكتور صالح الشادي وأدارها الإعلامي مهدي الزهراني. جاءت هذه الفعالية ضمن برامج الحراك الثقافي المدعومة من مبادرة "مديد" التابعة لهيئة الأدب والنشر والترجمة، لتؤكد على الدور الحيوي للفنون في صياغة الوعي الجمعي.
رحلة في ذاكرة الأغنية السعودية: من القصيدة إلى اللحن
قاد الشاعر صالح الشادي الحضور في رحلة غنية عبر ذاكرة الأغنية السعودية، مستنداً إلى ثقافته الواسعة وتجربته الطويلة التي تمتد لعقود. وأكد خلال حديثه أن الأغنية ليست مجرد عمل فني عابر، بل هي مرآة تعكس روح الوطن وتوثق مشاهداته وتفاصيله. كما شدد على أن القصيدة تظل هي الأصل والأساس، وأن اللحن لا يكتمل أثره الفني إلا حين يحمل كلمة صادقة تنبع من القلب.
وأوضح الشادي أن الكلمة هي العنصر الذي يمنح الأغنية عمرها الطويل، ويجعلها قادرة على عبور الأجيال والبقاء حية في الذاكرة الشعبية. من خلال هذا المنظور، استعرض مسيرته الحافلة في كتابة الأوبريتات والأغاني الوطنية التي غناها كبار الفنانين في المملكة والخليج، مساهماً بذلك في ترسيخ مشاعر الانتماء والافتخار بالهوية.
توثيق شعري لمشاهد الوطن: من الصحراء إلى المدن
لم تكن تجربة الشاعر صالح الشادي مجرد كتابة احتفالية أو مناسباتية، بل كانت توثيقاً شعرياً دقيقاً لمشاهد متنوعة من الوطن. تناولت أعماله صوراً من النخيل والصحراء إلى المدن الحديثة والإنسان السعودي، كما غطت مناسبات الدولة الكبرى وتفاصيل الفرح الشعبي اليومي. هذا التنوع جعل من أغانيه وأوبريتاته سجلاً حياً لتطور المجتمع وثقافته.
خلال الأمسية، عُرضت نماذج مؤثرة من أعمال الشادي التي لا تزال حاضرة بقوة في ذاكرة الجمهور، مثل أغنية "حنا رجال أبو فهد" بصوت فنان العرب محمد عبده، وأغنية "بايع ومد اليد هذا ولي العهد" بصوت طلال سلامة. هذه العروض حولت القاعة إلى حالة وجدانية عميقة، حيث استعاد الحضور زمناً كانت فيه الأغنية تجمع الناس ولا تفرقهم.
دور الأغنية في صناعة الوعي الوطني: توازن بين الرسالة والجمال
تناول الحوار أيضاً الدور المحوري للأغنية في صناعة الوعي الوطني، حيث أكد الشاعر صالح الشادي أن نجاح الأغنية يتحقق حين توازن بين الرسالة الإنسانية والجمال الفني، بعيداً عن المباشرة والتكلّف. وأشار إلى أن الأوبريت الوطني يمثل لحظة فنية جامعة تختصر هوية المكان والإنسان، وتقدم رسالة سامية في قالب فني رفيع.
كما ناقش الحضور، الذي ضم عدداً لافتاً من المثقفين والفنانين، مكانة الأغنية السعودية كقوة ناعمة مؤثرة في المحيط العربي. وأكدوا على ما تحمله هذه الأغاني من عمق شعري وأصالة لحنية، مما يجعلها أداة فعالة في تعزيز الروابط الثقافية والإنسانية بين الشعوب.
ختام الأمسية: شكر وتقدير لدور مبادرة "مديد"
في ختام اللقاء، عبّر مدير جمعية الثقافة والفنون بجدة محمد آل صبيح عن شكره وتقديره لبرنامج "مديد" على دعمه المستمر للفعاليات الثقافية. وأكد أن الأغنية السعودية أصبحت علامة فارقة بهويتها المتجددة، وبفضل أسماء شعرية كبيرة مثل صالح الشادي، الذي كتب الوطن بحبر المحبة فغنّاه الناس قبل الفنانين.
هذه الأمسية لم تكن مجرد احتفاء بشاعر كبير، بل كانت تأكيداً على أن الفنون، وخاصة الأغنية الوطنية، تظل ركيزة أساسية في بناء الذاكرة الجمعية وتعزيز قيم الانتماء. وهي دعوة للمزيد من الاهتمام بالإبداع الثقافي الذي يوثق هويتنا ويغنيها.