لعل قدر الشاعر أن يكون رسول الألم وهو حي، وحين يقبر فإن قبره سيغدو معلمًا لحكاية الخذلان من كل شيء. وهذا باختصار مخلّ سيرة الشاعر ابن المقرب العيوني (572هـ - 630هـ)، الشاعر الذي أقام بالأحساء، وعاشت فيه الأحساء مهما ادعى معاتبًا: «لا الخط أمي ولا وادي الحساء أبي»، لكنه عتب المحبين حين تضيق البلاد بأهلها.
شاعر يعاني من ظلم ذوي القربى
قضى الشاعر حياته متوجعًا من القربى والأقربين، وقرباه هم حكام البحرين من الأسرة العيونية الحاكمة التي حكمت «الخط، هجر، أوال». ولئن كان ابن أسرة حاكمة، إلا أن ما يفترض أن يكون سبب سعادته هو سبب شقائه، فقد جيّر مشروعه الشعري للشكوى من «ظلم ذوي القربى» على غرار سلفه طرفة بن العبد. يقول: «إذا خانَكَ الأَدنى الَّذي أَنتَ حِزبُهُ / فَلا عَجَباً إِن أَسلَمَتكَ الأَباعِدُ».
في هذا المقال، نقف على ما وقف عليه الباحث التاريخي عبدالخالق الجنبي من توثيق لرواية شفوية لموت ابن المقرب لم تدون في المصادر التاريخية، وربطها مع زيارة ميدانية ليوقع قبر ابن المقرب.
بداية القصة: تردد المؤرخين ورواية شفوية
لاحظ المؤرخ عبدالخالق الجنبي تردد المؤرخين في تاريخ وفاة ابن المقرب بين (629هـ - 630هـ - 631هـ)، وإن أجمع المؤرخون على مكان وفاته في البحرين (المعني بها هنا الأحساء). لكن الجنبي وقع على مخطوطة لمجهول في مكتبة التيمورية بدار الكتب المصرية في القرن العاشر تشير إلى أن وفاته في عُمان، مما شجع الجنبي على تبني الرواية الشعبية الشفوية المتداولة في الأحساء وفي عُمان.
قصة ابن المقرب في البطالية
يسرد الجنبي عمّن حدثه من أهالي البطالية، وهي قرية لا تزال موجودة في الأحساء: أن ابن المقرب عاش في القرية وقد ذكر كثيرًا من مواضعها في شعره مثل عين الجوهرية. ومن البطالية بدأت قصة النهاية لهذا الشاعر. كانت له خصومة مع قوم من بادية الأحساء، وأعدّ خطة للتخلص منهم: فبنى قصرًا أساسه من الملح، وعمل قناة مائية جافة من نهر الجوهرية، ودعا كبراءهم لوليمة. وتظاهر أنه سيجلب المزيد من الطعام، فأمر غلمانه فأجروا ماء العين في القناة ليذوب الملح ويهوي البناء على من فيه، ليفرّ من الأحساء مشيعًا خبر موته، وتاركًا قبرًا وهميًا. لكنها شائعة لم تلبث أن تجلت منها الحقيقية، ليصبح ابن المقرب مطلوبًا للثأر من أهالي هؤلاء القوم.
قصة ابن المقرب في عُمان
سمع ابن المقرب عن قرية عُمانية اسمها (طيوي) تابعة لولاية صور، وهي قرية جبلية مطلة على البحر. وقد زارها الجنبي مع لفيف من أصدقائه يوم 21 مارس 1999م. وحين وصلوا، استقبلهم أهلها بحفاوة، وأشاروا لهم إلى قبر في مغارة قالوا إنه لابن المقرب شاعر من السعودية، مضافًا لقلعة لديهم باسم قلعة ابن مقرب. وأخذوا يسردون ما سمعوه من آبائهم، وهنا بدأ السرد: وفد عليهم شاعر من هجر هاربًا من أعداء له، وحين وفد واستطاب المكان قال بيت شعر يروونه جيلاً بعد جيل: «هذه طيوي فطيبي هذه دار الغريبِ». لكن لم تكمل الراحة لشاعر لا يعرف الراحة. عرف أعداؤه بمستقره الأخير، فأوكلوا الأمر لجماعة تتبعت المسالك لتصل لطيوي. وقد وقفوا على باب زوجته العمانية من أهالي هذه القرية التي تزوجها بعد استقراره فيها، لكن ابن المقرب اتفق مع زوجته على فخ جيد للإيقاع بأعدائه. فقد أخبرت الزوجة هؤلاء الأعداء أن ابن المقرب في السفينة على وشك الرحيل، فتتبعوه مسرعين. بيد أن ابن المقرب مختبئ في مكان ما والسفينة فارغة، وحين دخلوه أرسل الغلمان النار للسفينة فأحرقوها وأحرقوا من فيها. وبعيدًا عن تفاصيل لا تهم، فقد مات ابن المقرب بعد ردح من الزمن، ودفن هناك.
رأيي وتقييمي للقصة الشعبية
لا أستطيع إنكار القصة بالمطلق، لكن يظهر أثر افتعال المخيال الشعبي في بعض التفاصيل والمبالغة بها، مثل بناء قصر أساسه من ملح، وتهاويه بسرعة في تصوير أقرب للفيلم الكرتوني. وورود تفاصيل لا تليق لم نذكرها في الملخص، مثل قتل ابن المقرب لابنته في الطريق خوفًا من هتك الأعداء لها، أو زواجه من الغنية العمانية التي كانت تشترط شرطًا (يُستحى من ذكره) على حد كلام الجنبي لقبول الزواج. كل هذه الإضافات يظهر عليها الافتعال. ناهيك أن قصة بهذه التفاصيل المثيرة المشوقة كيف خفيت على المؤرخين والقصّاصين طيلة القرون المنصرمة؟! عمومًا، مجهود جميل من الباحث الجنبي (رحمه الله) لتوثيق سيرة شعبية لشاعر انفرد بها. ومهما يكن، تظل الرواية الشعبية احتمالًا قائمًا.



