في رحلة الحياة، تبقى النوتة الورقية رفيقاً مخلصاً في الحل والارتحال، تحمل بين دفتيها شذرات من الزمن الماضي وأفكاراً عابرة قد تتبخر لولا أن تُخط بقلم على ورق. هذا ما يعكسه الدكتور سعد الثقفي، الكيميائي والصحفي، في مقاله الذي يستعرض فيه علاقته الطويلة مع النوتات الورقية التي بدأت منذ نعومة أظفاره.
بداية الحكاية: من الطائف إلى عالم اليوميات
يروي الدكتور سعد أنه حين هبط الطائف في مقتبل العمر، وبعد بيع محصول نقله والده من قريتهم إلى السوق، دلف إلى مكتبة في وسط السوق واشترى كتباً، وهناك وقعت عيناه على نوتة صغيرة تسجل اليوميات وتقبض على الأفكار القافزة في الذاكرة قبل أن تتبخر، كبيت شعر أو خاطرة عابرة. اشترى واحدة، ثم تطور الأمر ليصبح عادة يومية يسجل فيها كل شاردة وواردة عن يومياته والأسرة والقبيلة.
مع انتقاله إلى العمل الصحفي، صار يلخص فيها ما يحدث له من يوميات ومفارقات مختلفة. بل أصبحت النوتة رفيقه في الحل والارتحال، تحمل مواعيد الاختبارات وملاحظات على الأساتذة، وفيما بعد أساتذة الجامعة. وكان يوقف سيارته بجانب الدرب ليكتب شيئاً قبل أن يتبخر، وخرج من هذه العادة بأفكار رائعة.
الخوف من الفقد: اختراع شفرة كيميائية خاصة
ذات مرة فقد الدكتور سعد إحدى نوتاته السنوية، فاشترى بديلة، لكنه قرر الاحتياط لأمر الفقد بتشفيرها بطريقته الخاصة. بصفته كيميائياً، اخترع للأرقام عناصر كيميائية: فالهيدروجين يمثل الرقم واحد، والهليوم اثنان، وهكذا. كما جعل للحروف ما يقابلها من العناصر أيضاً. كانت هذه الشفرة تشبه كود مورس أو لغة مخابرات عتيدة، لا أحد قادر على فكها، خاصة أنه كان يضمنها آراءه عن الأشخاص، وكان لديه حساسية من وقوع نوتته في يد عابثة.
ثم تطور الأمر مع ظهور الجوال، حيث صار يسجل الملاحظات بالطريقة نفسها وينقلها إلى جهاز الحاسوب اللوحي، رغم أنه لا يثق فيه تماماً رغم كل احتياطات كلمات المرور والبصمة.
النوتات كمرجع تاريخي وثقافي
اليوم، يقف الدكتور سعد على مذكراته التي مر عليها عقود طويلة، فيجدها مادة ثرية في كل شيء تقريباً: ابتداء من تاريخ العائلة والقبيلة وتحولاتها، وليس انتهاء بالحركة الثقافية وما اعتراها من تحولات. كما تضم أرقام من حاورهم، وملخصات لكلمات ومقالات مختلفة. لكن ما يزعجه حقاً هو عبارة "مات!" التي كان يكتبها حين يرحل أحدهم أمام أرقامه.
الفوائد الإيجابية من هذه النوتات، كما يصفها، تكمن في تتبع حركة التاريخ وصيرورة الحياة، ومراقبة التطور الشخصي. ففي العودة وقراءة ما كتبه قبل عشرين عاماً مثلاً، شيء من مقاربات الظروف والأحكام وكيف تتغير. وفيها تشويق ومتعة لا يقاربها أية متعة، خاصة وأنت تنظر لما كتبت بعين الناقد الذي ينظر لنص وكأنه ليس هو كاتبه.
الجانب المحزن: المواعيد المزعجة وبهجة الورق المفقودة
أما الأشياء المحزنة، فتكمن في مواعيد جلسات القضاء والاختبارات وغيرها من المواعيد التي كانت تستهلك وقته وتبعده عن أجواء الثقافة إلى عوالم أخرى كان مضطراً لخوض غمارها، للدفاع عن حق مثلاً.
ويستذكر الدكتور سعد أيام انتظار النسخ الورقية من الجرائد والمجلات بفارغ الصبر لرؤية ما كتبوا وكيف تم إخراجها، وكانوا يفرحون بها فرحاً طفولياً صادقاً قد يمتد لأسابيع بل لأشهر وسنوات. أما الآن، فلم تعد هذه الأشياء موجودة، وكل شيء تقريباً يُرى في الجهاز الصغير (الموبايل)، الذي بات سكرتيراً وشيخ قبيلة وصديقاً وحتى أنيساً. ولم تعد بهجة الكتابة والورق موجودة، فكل المتع أصبحت متعلقة بحاسة الإبصار فقط، فلا ورق يُلمس، ولا رائحة حبر تُشم، ولا بهجة توزيع نسخ من المنشور على الأصدقاء. وهكذا الحياة وتبدلاتها.
النوتات الإلكترونية: البديل ولكن ليست البديل
هذا الأمر قد اعترى فن النوتات التي يجدها على أرفف المكتبات، لكن لا أحد يشتريها، لأن النوتات الإلكترونية الموجودة في جوال أحدنا بها كل إمكانات النوتات الورقية، بل تفوقها في خاصية البحث والاستحضار الفوري والمشاركة والنسخ واللصق.
مستقبل النوتات: خير معين لكتابة السيرة الذاتية
يختتم الدكتور سعد مقاله بالإشارة إلى أن هذه النوتات ستكون خير معين له في كتابة سيرته الذاتية الموغلة في الشقاء والألم، وهي سيرة مليئة بالأحداث على المستوى الشخصي، أورثته هموماً كبيرة وندوباً لم تزل موشومة في الذاكرة، وذكريات خلت كان شاهداً عليها. بعضها، لو نسج على شكل روائي لأخرج رواية بامتياز. هي سيرة تتناول تغيرات جذرية لفتى ترك قريته حين تركها الجميع، لكنها بقيت حاضرة في خاطره، يحملها معه أينما رحل، وتتلاطم في رأسه أفكار الكيمياء والشعر والصحافة وأعمال التجارة والبورصة والسفر والرحلات والأصدقاء ومفارقات الحياة. وقد بدأ ينسجها كسيرة ذاتية مستعيناً بنوتاته الصديقات الجميلات، وما بها من معلومات لا تقدر بثمن.



